لم يتوقع مارك زاكربغ صاحب موقع «فايسبوك» أن يتحول اختراعه إلى أداة لإسقاط الأنظمة الاستبدادية. بعد تونس، صار الموقع الاجتماعي الأشهر كعاصفة تقتلع كراسي الطغاة الواحد تلو الآخر. ليس فقط لأنّه يساعد الشباب على تنظيم ثورتهم، بل لأنه أيضاً كسر القيد الذي فرضته الأنظمة على وسائل الإعلام التقليدية. ببساطة، تحوّل كل مواطن إلى صحافي. صانعو الحدث في ميدان التحرير، هم ناقلوه كذلك. انكسر الطوق الذي فرضته الأنظمة على وسائل الإعلام. المعلومة التي يجهد النظام لمنع انتشارها، من خلال قطع إرسال الفضائيات تارةً، أو منع مراسليها من العمل طوراً، لا تستطيع أيادي المخبرين القبض عليها.


مع بداية ثورة الغضب المصرية، انتشرت على «فايسبوك» مجموعات إخبارية كثيرة، وفّرت كمّاً هائلاً من الأخبار والمعلومات من الميدان، لعل أبرزها شبكة «رصد»، التي أرّقت تقنيّي النظام المصري. أعضاء هذه المجموعات هم مواطنون عاديون، ليسوا متخصصين في تقنيات الصحافة، لكنهم تحوّلوا إلى صحافيين متطوعين، يستعينون بما تبثّه الفضائيات وبمصادر مختلفة من قلب الحدث. تختلف تجاربهم وأسبابها، بين مقتنع بفعالية الإعلام البديل، ومن هو مستعد لاستخدام كل شيء يمكّن الشعب المصري من تحقيق هدفه: إسقاط النظام.
سيُسقط «العازول» نظام مبارك وهو جالس خلف جهاز الكمبيوتر في الولايات المتحدة. و«العازول» اسم افتراضي لأحد المدوّنين المصريين، يتّصل يومياً بعدد من أعضاء لجان الحماية الشعبية في أحياء مصر، ويستقي الأخبار منهم، ثم ينشرها على موقع «تويتر» على شكل تقرير مفصّل. تقرير من شأنه طمأنة مئات آلاف المصريين المهاجرين، على عائلاتهم.
وإذا استطاع النظام المصري قطع شبكة الإنترنت عن شعبه، فإنّه لن يستطيع توقيفها في بلدان أخرى. هناك، أخذ معظم العمّال المصريين إجازات عمل، وجلسوا أمام التلفاز وأمامهم الكمبيوتر وهواتفهم الخلوية في أيديهم. في دبي، تقول رشا عديس إّن «كل مصري مهاجر يتصل بأهله ومعارفه في مصر أكثر من 15 مرّة يومياً». اتصالات تمدّ المغتربين بالأخبار لطمأنتهم، وتُنشر على «فايسبوك» ليتسنى للجميع معرفة ما يجري في القاهرة والإسكندرية وكل المدن المصرية. عملياً، كان حضور وسائل الإعلام التقليدية في الساحة المصرية خجولاً، وقد احتل مكانها عنصران بارزان: المشاركون في التظاهرات والمغتربون. العملية بسيطة: إنّ من لا يستطيع نشر الخبر في مصر، يتصل بمعارفه المغتربين، وهم يتولّون نشره على «فايسبوك» في أقل من دقيقة. يتحدث المدوّن المصري المعروف علاء سيف لـ«الأخبار»، من جنوب أفريقيا، عن أهمية التقدم الحاصل على مستوى استخدام الإعلام البديل في الثورات. يشير إلى أن حرب العراق 2003 وانطلاق حركة «كفاية» المصرية عام 2004، كانا شرارة انطلاق التعامل مع هذا النوع من الإعلام «شبابنا يستطيعون تطويع كل التقنيات». وكغيره من المدوّنين البارزين، يمدّ سيف وسائل الإعلام بأرقام هواتف وعناوين لمشاركين في التظاهرات المصرية. هكذا، يؤكّد سيف أنه «بعدما ضيّقت السلطات الخناق على عمل الإعلاميّين، باتت معظم المواد التي تستعملها الفضائيات، مصدرها ما يسمّى الصحافة الشعبية». ويلفت سيف أيضاً إلى نقطة بالغة الأهمية مفادها أنّ الفضائيات الإخبارية لا تستضيف إلا أبناء جيل واحد وهم من المتخصصين والخبراء كبار السن، أما الصحافة الشعبية، فتتيح للجميع أن يعبّروا عن آرائهم!




«تويتر» رغم كل شيء

قد يكون بن ويديمان أحد أكثر المدوّنين الأجانب نشاطاً في القاهرة. تمكّن المدير السابق لمكتب CNN في القاهرة، وأبرز مراسليها حالياً، من الوصول إلى موقع «تويتر» رغم حجبه في مصر، وبقي يكتب الرسائل القصيرة دقيقة بدقيقة مباشرة من ميدان التحرير منذ يوم الثلاثاء الماضي.