بدأ يوم الأربعاء 2 شباط (فبراير) بمكالمة من زميل في مدينة الزقازيق في الدلتا. حكى لي أن موظّفين في المجلس المحلي صُرفت مرتّباتهم «أمس»، وأنّ عربات من الشركة أقلتهم في الصباح ليشاركوا في تظاهرة مؤيّدة لمبارك. لم أتشاءم من الخبر إلا عندما وجدت نفسي بالمصادفة في شارع جامعة الدول العربية في المهندسين، محاطة بأشخاص يهتفون للرئيس من فوق عربة نصف نقل.

كانوا بضع عشرات فقط، لكنهم كانوا يحدثون جلبة عارمة في الشارع. كانوا يوزعون لافتات «نعم لمبارك». وافق عدد من السائقين على أخذها (خوفاً؟). شعرت بجوّ ملبّد من حولي، ميكروباصات و«تك تك» تصل محمّلة بشباب يجبرون سائقي العربات على أخذ صور مبارك. في شارع النيل في العجوزة، مرت أمامي مجموعات من الرجال على جمال وأحصنة وكانوا يتّجهون نحو كوبري 15 مايو، يعني إلى الزمالك، ومن هناك إلى كورنيش ماسبيرو والمتحف المصري.
سائقون كانوا يضربون كلاكسات كتلك التي تصاحب عادة ماتشات الأهلي والزمالك. ثم توالت الأنباء عن بلطجية هاجموا الاعتصام مسلّحين بالسكاكين و«السنج»، وأرهبوا المتظاهرين وقذفوا حجارة الطوب عليهم. صديقة مصوّرة تتصل بي في حالة هلع، بعدما رأت طفلة جريحة لا يتجاوز عمرها السنوات الأربع. على رغم الهجوم المكثّف على الصحافيين، وخاصة الأجانب، استطاعت أن تلتقط صوراً للـ«متظاهرين» المؤيّدين لمبارك، بعدما قُبض عليهم: كانوا يحملون بطاقات شرطة. أحد الأصدقاء روى لي في الصباح كيف أمضى «ليلة أمس» ساهراً أمام المتحف المصري مع الشباب في مواجهة البلطجية الذين كانوا يحاولون إحراقه.
في صبيحة اليوم الثالث من شباط (فبراير)، يبدو المشهد واضحاً تماماً: ليست المعركة على السلطة، بل من أجل البقاء. هي معركة الدفاع عن إنسانيتنا، عن إمكان العيش في هذا البلد بكرامة. «عايزين نبقى بني آدمين»، قالها أحد الذين يسهرون في الشارع منذ أكثر من أسبوع للمطالبة برحيل مبارك. هما معسكران: الأول يقود الآن معركة البقاء، معركة الحياة والموت من أجلنا ومن أجل أولادنا، لكي نستطيع أن نعيش في هذا الوطن ويقف فيه الطلبة الذين ناضلوا من أجل تنفيذ أحكام القضاء التي تنص على خروج الحرس الجامعي من الحرم، وموظّفو الضرائب العقارية الذين أسّسوا أول نقابة مستقلة في نيسان (أبريل) 2008، وأهالي هؤلاء الذين ماتوا في عبّارة السلام وتحت صخرة الدويقة، وعمّال مصنع النسيج الذين أضربوا في كانون الأول (ديسمبر) 2006، وضحايا التعذيب الذي طال السياسيين وغير السياسيين.
في المعسكر الثاني، يقف بلطجية تابعون لرجال أعمال ـــــ منهم محمد أبو العينين من الجيزة ـــــ لطالما اعتادوا استخدامهم في تزوير الانتخابات وهم يستشرسون الآن في الدفاع عن مصالحهم، وسط حالة من الفوضى العارمة، ومعلومات عن تساهل الجيش معهم وعن قيام الشرطة العسكرية بالقبض على أحمد سيف الإسلام المحامي ومدير «مركز هشام مبارك للقانون» مع 29 ناشطاً آخرين، والقبض على ثلاثة صحافيين من «الجزيرة»، وإرهاب الصحافيين الأجانب الموجودين في العاصمة المصرية. هذا المعسكر يستشرس لأنه يشعر بأنها بداية النهاية، ولأنّه يعلم تمام العلم أنّ انتصار الثمانية ملايين متظاهر يعني نهاية نظام الجباية والرعب الذي طالما استفاد منه. هذا ما يعلمه أيضاً المعتصمون في ميدان التحرير الذي تأتينا منه الأخبار الآن بعودة المعنويات العالية رغم الإجهاد والقتلى والجرحى، بعد تأمين مداخله وتنظيم الإسعافات فيه واحتياجات الأكل والمبيت، استعداداً لتظاهرات الجمعة 4 شباط (فبراير)... «جمعة الخلاص». البقيّة شاهدتموها على الشاشات...
(القاهرة)