خلال السنوات الماضية، بدأت تخيّم فوق كثيرين سحابة قاتمة، هي نتيجة معضلة منطقية حقيقية؛ بما يشبه النقيض لقوانين الجاذبية الطبيعية. بدلاً من أن تسقط التفاحة عمودياً، تسقط أفقياً. وأساس هذه المعضلة كيف يمكن أن تستمرّ الأمور على ما هي عليه، وقبول العيش تحت الاضطهاد السياسي والاقتصادي. لقد اشتدت حدة هذه المعضلة أخيراً في السياق الفلسطيني، مع بروز وثائق المفاوضات بين ممثلين عن منظمة التحرير وأطراف مختلفة، بدءاً بالحكومة الإسرائيلية وانتهاءً باللجنة الرباعية. كيف يمكن أن يحدث هذا، ليس فحوى المفاوضات، بل الفتور واللامبالاة اللذان استقبل بهما المجتمع الفلسطيني نشر الوثائق. لقد طرحت هذا السؤال على صديق من مخيم الجلزون ورد: «الناس محبطون وتعبون». بالطبع سرعان ما وصلنا إلى الاستنتاج التالي، أنه بعدم ردّنا ـــــ هو وأنا ـــــ إنما كلانا أيضاً يتحول إلى أحد هؤلاء الناس المحبطين والتعِبين


. وعلمياً، فهذا الوصف ينطبق على 70 في المئة من الفلسطينيين، كما تشير الأبحاث النفسية في الأعوام الماضية.
نموذج الاحتلال الإسرائيلي هو من أشد نماذج أنظمة الحرب تطوراً في العالم. خلال العقد الماضي، بدأت دول العالم تدرس النموذج الإسرائيلي وتطبّقه في بلادها أو البلاد التي تحتلها عبر استخدام أسلحة إسرائيلية جرى توفيرها لهذا الهدف. ومن بين هذه مثلاً، سياسة إطلاق النار على من يُعتقَد بأنه قنبلة موقوتة. وقد طبّقها الأمن البريطاني بعد أحداث ٧ يوليو في لندن، وفي بناء الجدار حول «المنطقة الخضراء» في بغداد. ومن إحدى الوحدات الداعمة لتطوير نموذجها للحرب الحديثة، أخذت وزارة الدفاع الإسرائيلية تستعين بالفلسفة. جرى تطويع نظريات فلاسفة مثل دولوز وجواتاري وفوكو لتصميم القوة، ووحدات علم النفس وتجاربها المختلفة. وإحدى أهم هذه التجارب التي يجري تطبيقها في نموذج الاحتلال الإسرائيلي للفلسطيني هي «العجز المكتسب» (Learned Helplessness). وفق هذه التجربة، يُوضع الطعام لفئران محبوسة في قفص، ثم تُطلق شحنات كهربائية في أوقات متباينة وغير متوقعة كلما اقترب الفئران من الطعام. مع الوقت وبسبب الألم الشديد نتيجة الشحنات، لا تعود الفئران تقترب من الطعام خوفاً من الشحنة، بل تصبح شبه مشلولة، لا تتحرّك حتى تموت. وفي السياق الفلسطيني، يلاحظ المرء هذا العجز المكتسب عن الإتيان بفعل ما أو التحرك.
قبل أشهر، كنت في زيارة لتونس برفقة مراهقين تونسيّين يلعن المرء نفسه للوهلة الأولى لأنّه راودته فكرة القيام بهذه الرحلة معهم، بسبب صخبهم وصراخهم المثير للصداع، لكن سريعاً ما يقوم هؤلاء المراهقون ـــــ على عكس المثقفين التونسيين الذين تحدثت معهم حتى تلك اللحظة ـــــ بتعريفي بخبايا استبداد النظام السياسي في البلاد، والفساد الذي يتخلخل فيه، إلى درجة أنني بدأت أرجوهم الكف عن الحديث خوفاً عليهم. تدريجاً، راح حديث هؤلاء المراهقين يمتد إلى كارل ماركس وآدم سميث. وأخيراً حين صبّوا كل ما في جعبتهم صراخاً متحمساً في أذنيّ، فتحوا حقائبهم ليخرجوا مؤلفات طه حسين وميخائيل نعيمة وشارل بودلير وفولتير، وانصرفوا يقرأون بصمت. لم يحمل أيّ من هؤلاء المراهقين الذين شرح لي أحدهم لاحقاً أنهم من عائلات من الطبقة المتوسطة، كتاب هاري بوتر أو «شيفرة دافنشي» مثل أمثالهم المراهقين الفلسطينيين الذين هم من أولاد الطبقة المتوسطة.
وحين قامت ثورة تونس، استغرب كثيرون حولي ذلك، بمن فيهم أنا، قائلين إنّ الأمور جرت بسرعة، أسرع مما توقعوا، وحتى بانتقال الأحداث إلى اليمن ومصر، لكن أحقاً الأمر كذلك في بلد فيه أولئك المراهقون؟ ربما الاعتقاد بأن الأحداث في تونس جرت بسرعة غير متوقعة، ناجم عن خوف خفي من التغيير؛ هو أشبه بتخدير ذاتي لتبرير سير الأمور على ما هي عليه منذ عقود. راح المرء منا يقول إن أي ثورة ضد هذه الأنظمة السياسية الاقتصادية الاستبدادية كانت ستجري بعد سنوات، ربما بعدد السنوات التي يقول فيها الحكّام كل مرة إنهم سيمدّدون حكمهم. ومع السنين، لا تمضي هذه الـ «بعد سنوات»، بل تتحرك مع المرء الذي ما زال ينتظر ثورة ما، لكن ليس الأمر كذلك لأمثال المراهقين التونسيين الذين التقيتهم، من نساء ورجال، وعمال وعاطلين من العمل، وشباب وكبار في سن. وكم أودّ رؤية هؤلاء المراهقين الآن بعد ثورة تونس، وثورة مصر، وثورة اليمن. ولا أدري من سينضم إلى القائمة قبل نشر هذا المقال. بالنسبة إلى كل هؤلاء ممن شاركوا فيها، هذه الثورات إن حدثت، فقد حدثت بعد ثلاثة عقود من حكم مستبد كان سيستمر حتى ثلاثة عقود أخرى إن لم يتحركوا ضده ويقفوا أمامه. وهو ما يمكن أن يحدث بسهولة، أي عدم الحراك، في سياقات كالسياق الفلسطيني، الذي جرى تسليب وعيه، أي جعله سلبياً، وراح يعتقد بفرديته، لكن ليس بحريته الفردية، بل بسلبيته الفردية تجاه الاحتلال. كما لو أن الاحتلال بات مسألة يعانيها الفلسطيني على المستوى الفردي، وأنّ من هم حوله من الفلسطينيين هم جزء من ماكينة الاحتلال الموجّهة ضده. وهذا يظهر ليس فقط في ما كشف من وثائق عن دور القيادة الفلسطينية في التفاوض مع الجانب الإسرائيلي، بل أيضاً في الحياة اليومية، بدءاً بالطبقة الاقتصادية المحظوظة كالمحامين الفلسطينيين، الذين يساعدون الجيش الإسرائيلي على تعديل مسار الجدار للتخفيف قليلاً من حدة وطأته على موكلهم، مروراً بالطبقة غير المحظوظة التي يعمل المحظوظ فيها ـــــ لقلة الحظ ـــــ في بناء الجدار، وانتهاءً بالفلسطيني الواقف في الصف عند الحاجز ويروح يدفش رفيقه الفلسطيني الآخر حتى يسبقه بأربع دقائق سيضيعّها على أي حال في التحديق بالسقف محبطاً متعباً.
عدا كونها نتاجاً لنموذج احتلال فائق، تشير هذه التصرفات والمعادلات الفلسطينية إلى كيفية تنازل الضعفاء لمصلحة الأقوياء، مما يجعل هذا النموذج ينجح بالدرجة الأولى. لذلك أيضاً راح يقول الكثير من الفلسطينيين إن محتويات سجلات المفاوضات لم تهبط عليهم كمفاجأة، بل أتت وفق معادلة يعرفونها وبدأوا يعيشونها في السنوات الأخيرة. ومن ذكاء هذه المعادلة ـــــ أي تنازل الضعفاء لمصلحة الأقوياء ـــــ أنها لا تذكّر الضعيف فقط بضعفه، بل أيضاً تبقي على هذا الضعف وعلى قوة القوي.
هذه المعادلة أيضاً جعلت الأنظمة الاستبدادية تستمر في استبداداها، لكن ذات يوم، قرر الرفيق الأخ الصديق الزميل العزيز محمد البوعزيزي خلخلة هذه المعادلة.
مثله مثل ملايين آخرين، يومياً ولمدة 26 عاماً، قبل البوعزيزي هذه المعادلة، ليتمكن من الاستمرار في العيش ليس أكثر، إلى أن انسحب فجأةً من السباق، ووضع حداً لعيشه، وهو السبب الأول والأخير الذي يدفعه للمشاركة في هذا السباق وقبول ضعفه. قرّر البوعزيزي ببساطة التنازل عن رغبته في العيش التي تدفعه إلى التنازل لمصلحة الأقوياء. بتنازله هذا، لم يعد هناك ما يدفعه إلى التنازل للأقوياء أكثر، بل إنّه تنازل عن السلاح الذي يستخدمه الأقوياء ضده من أجل تثبيت قوتهم.
إذاً، أدرك البوعزيزي أن الأقوياء يهددونه بنفسه؛ لجعله يقبل اضطهاده والاستبداد به، لكن بتنازله لمصلحة الضعيف لا القوي، غيّر بوعزيزي المعادلة في هذه الحالة. تنازل لمصلحة نفسه الضعيفة، بكل ما تملك نفسه، ألا وهو نفسه ذاتها.
من أجل أن يبقى بوعزيزي على قيد الحياة، كان ربما يحتاج فقط إلى شخص آخر ضعيف، يرضى بأن يتنازل عن نفسه لمصلحته، وهذا الضعيف الثاني يتنازل بدوره لمصلحة البوعزيزي الضعيف أو أيّ امرئ بمثل ضعفه. وهذا بالضبط ما حدث، حين اندفع الآلاف في تونس، ومئات الآلاف في مصر، على خطى البوعزيزي، يتنازل كل منهم عن قوته الأخيرة لمصلحة الضعفاء الآخرين من أمثاله، لا لمصلحة الأقوياء. في تلك اللحظة، بدأ الأمر يتحوّل من وضع حد للحياة إلى وضع نقطة بداية لحياة جديدة. ولعل وعسى الحكام الاستبداديين وحاشيتهم ينضمون إلى هذا الجهد، من مصر إلى فلسطين واليمن والسعودية وباقي الأقطار، فيتنازلوا لمن هم أضعف منهم، لا لمصلحة من هم أقوى منهم. ربما كان ذلك سيجعلهم يشعرون بقوتهم الحقيقية، لا بضعفهم، وهو يجعلهم لا يفكرون إلّا بحماية أنفسهم الخائفة التي لا تحس هذه الأيام بأكثر من العزلة والرهاب.
(لندن/ فلسطين)