اليوم يوم الجمعة 4 شباط (فبراير) 2011، إنه يوم الرحيل. ولا أعلم إن كان سيتحقّق ذلك، لكني أرجو ذلك حقناً لتلك الدماء العزيزة. دماء أولئك الشباب الذين أعادوا إلينا الروح، فالنهاية باتت محتومة. اليوم أسمع حولي تعليقات «شباب» في لبنان، لم تكن لديهم أيّ اهتمامات سياسيّة، يقولون لأول مرّة نحسّ أننا عرب، وأن هذه الرابطة لها معنى. تزداد فرحتي، ويزداد خوفي على «شباب» مصر الذين يُحمَّلون عبئاً كبيراً.


هل سنقرأ غداً: رحل مبارك. هل سيظهر هؤلاء «الشباب» بوجوه وأسماء، ولا تبقى تسمية «الشباب» كأنّها هالة ميتافيزيقية، أو حلماً انتهى، وعادت إلينا الوجوه المخيفة من جديد؟

■ ■ ■


صباح يوم الخميس 27 كانون الثاني (يناير)، كنا نتحدّث معاً بفرح عن شباب مصر الذين بدأوا بالتحرّك. كانت أيدينا على قلوبنا. كنا نقول إن تحرك شباب مصر متوقّع، لكن تكرار تجربة تونس أمر صعب في مصر. كنا من مصر والجزائر وتونس ولبنان.
يوم الجمعة كنت من بين الذين تسمّروا عند الظهر أمام شاشات التلفزيون. كانت اليد على القلب. كان التوتّر. وكان الخوف. كان الذين تجمّعوا بضع مئات فقط من المتظاهرين، أو ربما بضعة آلاف. لكن ما هذا. أهذه هي مصر؟ أين الولّادة؟ أين أمّ الدنيا؟ أين وجوه أصدقائي الذين كنت أتوّقع أن أراهم في ميدان التحرير؟
كنت كئيباً، لكني أقول في نفسي، إنهم يستعدّون. ستتحرك مصر. حسناً إنّها لم تتحرّك بدعوة من سياسيّي صلاة الجمعة. فأنا وكذلك أصدقائي، نخاف سلطة الفقهاء بقدر خوفنا من سلطة منقذي الأمّة وآبائها.

■ ■ ■


عند الساعة الثالثة، اتصل بي أحد الأصدقاء صائحاً بفرح: أين أنت، هل تتابع ما يحصل؟ لقد بدأت. إن كرة الثلج تكبر. ركضت إلى الشاشة. كم كان بودّي أن أركض إلى ميدان التحرير، فأنا لست أجنبياً في مصر. أنا أحبّ مصر. أعلن ذلك في كل مناسبة. ومثلي مثل المصريين، أعتبرها أم الدنيا. ومثلي مثل الذين ما زالوا يؤمنون بالعروبة، أعتقد أنّ العروبة تعيش إن عاشت في مصر وتموت إن ماتت في أرض الكنانة.
نعم أحب مصر. وأعشق السير في ميدان رمسيس، وميدان العتبة، وشارع محمد علي، والغورية وإمبابة وشبرا. أتأمّل الألوف المؤلّفة من الوجوه المتعبة ولكنها المليئة بالطيبة. أحب سائقي سيارات التاكسي المتهالكة. يأكلون خبزاً يابساً ويشكرون الله على نعمه. بطيبتهم ومودّتهم يهدّئون غضبي من صمتهم وصبرهم. أحب المقاهي الشعبية في وسط البلد، المهددة بـ «التدوير» أو «إعادة التأهيل» ليُطرد منها الفقراء كما حصل في وسط بيروت، وأحبّ الكشري.
ركضت إلى الشاشة. وتسمّرت أمامها. كان قلبي يرقص فرحاً. ها هي مصر، وها هم شباب مصر يشدّون الحيل. يا الله أي فرحة. لم أنم في تلك الليلة سوى مع تباشير الصباح. الى أن صحوت على صوت هاتفي يرن وابنتي تحمل الهاتف وتقول: اتصال خارجي. كان الرقم من مصر. وبادرني صديقي بالكلمة التي تكررت طوال اليوم: مبروك. رحت أضحك وأصرخ: «مبروك.. نعم.. مبروك.. مستحيل.. مش ممكن.. لقد صحت مصر». اتصل بي عدد من الأصدقاء. واتصلت بعدد آخر. كانت الفرحة غامرة تتكرر ومعها تتكرر عبارات: عصر جديد. روح جديدة. انتهى عهد الصمت.
نعم كانت الفرحة غامرة، إلى أن اتصل بي أحد الأصدقاء من لبنان قائلاً: مبروك. وكان جوابي مبروك. نعم مبروك. إن هذا يوازي عندي انتصار تموز. ضحك صديقي قائلاً: «ما الذي يوازي انتصار تموز؟ أقول لك مبروك لقد أصبح صديقك الدكتور جابر عصفور وزيراً للثقافة»!!
- ماذا! ماذا تقول؟ لن يقبل!
- لكنه أقسم اليمين.
كان الصّمت ثقيلاً.
أظن أني أعرفك يما يكفي يا صديقي العزيز. وأظن أنك تعرف أنني لست ممّن يمدحون حيناً، ثم ينقلبون. وأنني لست ممن يقلبون الجرّة، ويرمون بكل السّمن بسبب خطأ أو لحظة غضب.
لكني لا أخفيك. إنها غصّة. أو ربما حزن. ولا أخفيك أنني لست متضامناً فقط مع هؤلاء الشباب الذين ثاروا في ميدان التحرير وكل أنحاء مصر، بل أنا كأغلب أصدقائك، جزء منهم، بل أسير خلفهم، ذلك أنهم يدافعون عني. هم في الميدان تحت حجارة «البلطجية» ورصاص المأجورين الذين يخافون شعبهم، فيما أجلس أمام الشاشة، وليس بيدي سوى أن أتألم وأغضب وأُهزم وأنتصر معهم وبهم.
أما أنت يا صديقي، فقد أخذت خياراً آخر.
أعرف أنّ لديك مبرّراتك وقد سمعت جزءاً من مقابلتك على «الحياة». وأعرف أنّ علينا تقبّل اختلافنا. هذا صحيح. وأنه على كلّ منا أن يتعلّم كيف يحاور، بل كيف يصادق، بل كيف يعيش مع من يخالفه آراءه وأفكاره، هذا صحيح أيضاً. وأعرف أن منطق الشتم والتخوين يسيء إلينا جميعاً ولا يحسّن أحوالنا. أبداً.
لقد اختلفنا كثيراً في السابق، وكانت لنا آراء متباعدة. لقد أبلغتك انزعاجي يوم قبلت منصب «رئيس المجلس الأعلى للثقافة» وقلت لك، ليس فخراً لأحد أن يكون من حجارة هذه الأنظمة العربية البائسة. ثم بعد مدّة، اعترفت لك بإنجازاتك، رغم اعتراضي على الكثير من الأمور.
لكن بقينا صديقين. بقينا نرى أنّ الصداقة قيمة إنسانية تتجاوز المناصب واختلاف الأفكار.
الآن لا أخفيك يا صديقي أنني لست فقط في موقع المعترض، بل إنني أخاف عليك.
ولأنني أخاف عليك، وأخاف أن يمتص الوجه الآخر من الصّورة، أقول لك إنني كنت أتصورّك أوّل وزير ثقافة للنظام الجديد، لا آخر وزير ثقافة لنظام يؤول إلى الزوال.
كنت أتصوّرك واحداً من الذين يسهمون في بناء النظام الجديد، ويبدّدون مخاوفنا ممّن سيركبون موجة هذه الثورة التي يجب أن نخاف عليها من الانتهازيين والمتاجرين والكذّابين، وليس أن نخاف منها.
ولأنني أخاف عليك، أقول لك، إن هذا النظام ساقط منذ زمن، منذ أن اعتبر نفسه فوق شعبه الرائع، وراح يزوّر إرادته، بل راح يُفقر أبناء هذا الشعب ليسهل عليه شراؤهم حيناً، وكسر تمرّداتهم أحياناً. وأنه الآن يتهاوى. بل انتهى. وأن اختيارك ركوب هذا المركب الآيل إلى الغرق خطأ قد لا يزال من الممكن التراجع عنه.
فهل تفعل؟
(بيروت)