كان العالم بأسره يتابع «ثورة الغضب» على الشاشات الفضائية، حين انبرى السينمائي المصري خالد يوسف لائذاً بمكتب قناة «العربية». جاء راكضاً باكياً في خضم التظاهرات والحرائق ليستغيث بوسائل الإعلام، وينبه من خطر محاولات بعض المصريين سرقة المتحف الملاصق لمقر «الحزب الوطني» الذي أكلته النيران. كان هلعه مفاجئاً، ودموعه أكثر هولاً، يناشد «معرفش مين» حماية المتحف المصري من اللصوص والنيران التي أصبحت قريبة منه.

خالد يوسف، كما هو معروف، من المعارضين لنظام محمد حسني مبارك، وواحد من وجوه ثقافية معارضة ليس لها مصلحة سوى «مصلحة البلد وكرامة الغلابة». وكان من المشاركين بأهمية خاصة في التظاهرات التي تنادي علناً بضرورة رحيل الرئيس مبارك... لكنه، حين لاذ بوسائل الإعلام لينبّه إلى ضرورة الالتفات إلى تاريخ بلده وكنوزه، كان في ذلك تسجيل حقيقي لطبيعة روح المثقف المصري الذي يعشق بلده.
مراسلة «العربية» رندا أبو العزم سألته: «أنتم الحلوين المتظاهرين المثقفين» تعرفون كيف تتظاهرون وتعتصمون، فمن أين جاء هؤلاء الذين يحرقون وينهبون؟ قال لها: «هؤلاء قدموا من العشوائيات، وكنا قد نبهنا بأعمالنا الفنية إلى خطورة هؤلاء...» ويقصد فيلمه «حين ميسرة» (2008). كأنّه كان يتنبأ بتجنيد مسبق لجياع العشوائيات من أحزاب سياسية، تمتلك المال وسحر التأثير الروحاني، ليطلقوا الفوضى وينهبوا البلد. الفيلم الذي سبق أن تعرض للعديد من المضايقات، ومنها، ما طالب به المفكر الإسلامي والأستاذ في كلية دار العلوم في جامعة القاهرة عبد الصبور شاهين من إحالة بطلتي ومؤلف ومخرج فيلم إلى النيابة العامة للتحقيق بتهمة «الدعوة إلى نشر الشذوذ الجنسي والسحاق والتخريب الأخلاقي»، مشيراً إلى أن «الأصابع الأميركية والصهيونية تقف وراء هذه الأعمال الفنية الشاذة».
اليوم نكتشف أن هذا «العمل الفني الشاذ» على حد تفكير عبد الصبور، لم يكن إلا نبوءةً وإشارة تحذير أطلقها المثقف المصري أمام عيون السلطة والمجتمع. مشاهد الفيلم شبيهة إلى حدّ ما بما تصوره لنا حالة الشارع المصري هذه الأيام. «البلد بتتحرق يا جدعان».
جسد خالد يوسف دور الفنان المثقف، ابن البلد الذي عطّل كل شيء إلا تفكيره بمستقبل بلده. فهو يعي تماماً أن ثورته ستعطل العديد من النشاطات المهمة ـــ تأجيل معرض القاهرة الدولي للكتاب، والملتقى الإبداعي للفرق المسرحية المستقلة بمكتبة الإسكندرية، وكذلك العروض المسرحية والسينمائية وغيرها الكثير ــــ إلّا أنّه يبقى تأجيلاً أو تعطيلاً موقتاً، فالتغيير صار أهم من «لقمة العيش».
خالد يوسف لا يختلف كثيراً عن العديد من رموز الثقافة والفن في مصر. من الجهة الأخرى، نرى الفنان خالد الصاوي محمولاً على أكتاف الشباب وهو ينادي بمستقبل أفضل لمصر، بعدما دعا زملاءه للمشاركة الفاعلة في الانتفاضة على صفحته على «فايسبوك»: «زملائي وأصدقائي وأساتذتي الأعزاء، فناني مصر من جميع المهن، أدعوكم للتجمع غداً الخميس 27 كانون الثاني (يناير) في نادي نقابة المهن التمثيلية في البحر الأعظم بدءاً من الثامنة مساءً، لإعلان انتمائنا إلى الناس وتضامننا مع مطالبهم العادلة في الخبز والحرية والكرامة. وإن لم نقل كلمتنا فوراً، فقد نخسر حبهم واحترامهم إلى الأبد».
هذه الدعوة أغضبت نقيب الممثلين أشرف زكي لكونه «نقيب مؤسسة تابعة للدولة»، وتكشف عصياناً على قرار حظر التجوال، وتظهر قراءة جديدة لمستقبل قريب. المستقبل الذي ينذر الفنان بخسارته حب الناس إن لم يقف إلى جانبهم، تماماً كما قرأ الفنان والمثقف مستقبل بلاده منذ زمن وقرر الثورة منذ أيام. الثورة المصرية ليست ثورة جياع، وهي أيضاً ليست ثورة أحزاب طامحة إلى استبدال المواقع وهستيريا حب التسلط. هي ثورة المثقف والفنان والأرواح المحبة للحياة. هذا ما كانت تصدح به أقلام المثقفين وأصواتهم على صفحات صحف المعارضة، والمسارح المصرية، وشاشات العرض السينمائي والتلفزيوني. ثورة كنا نسمعها في الأغنية والنكتة والحدوتة وهمسات طلبة الجامعات. ثورة جعلت المثقف والفنان محمولاً على أكتاف الشباب وهو ينادي «تحيا مصر»، وجعلته يعيش مع ناسه الذين كانوا يحلمون برؤيته أو مصافحته، وسط الشارع، يتقاسم معهم الرغيف والهموم والشعارات الغاضبة على الأرصفة وفي الحدائق العامة... إنها ثورة المثقف وصانع الخبز والعالِم والفنان و«الصنايعي». ثورة ابن البلد، الذي بات يخاف عليها من أن تسرق من المتصيدين... خشية ضياع الحلم مرة أخرى.
(كوبنهاغن/ العراق)