الواحد الأحد هو نفسه الآب والابن والروح القدس. الآب وحيد ومحاصر لا يصدق أن «العكاريت» خرجوا ضده. هو الرئيس الصمد. الابن مشهور بنعومة الأظفار التي لا يقلمها، فهو يريدها أن تصير مخالب بسطوة البزنس. الروح القدس حزب واحد، تجمع أو أي شيء يطفو على سطح الغمر، على سطح الخراب المكدس. والدستور كتاب منزَّل على الآب والابن فقط، بوصفه دفتر حسابات لتجار وعسكر. «فهمتكم» كما قالها زين العابدين بن علي أمست أغنية «راب» تونسية تقول كل ما لم يفهمه الرئيس المخلوع.


«هيب هوب» من الفهم، قادر على اجتياح كل المستعدّين للهرب بطائراتهم الرابضة فوق أسطح القصور. «فرافير الفايسبوك» كما وصفهم مدون مصري ممن أطلقوا الثورة، هم أنفسهم من وجدوا في الهوامش متسعاً ومعبراً. لم يكن ما يحدث في ثنايا جنة الإنترنت الافتراضية إلا تراكماً معرفياً، تجمعاً وتحزباً بما لا يعرفه الحزبيون الذين ما عادوا قادرين على تحزيب أحد. كان الشباب المصري، في ملتقى تراكم الوعي، على جهوزية تامة لتلقف النموذج التونسي، ونقل الافتراضي إلى الواقعي... والشارع فعلها من قبل.
البساطة على أشدها: «الشعب يريد إسقاط النظام». الأدوات سلمية لا تفهمها الأنظمة البلطجية المتخلفة. «غسل الوجه بالكولا يزيل آثار الغاز المسيل للدموع» ينصح التونسيون المصريين على «تويتر». أصبح للكولا ما تفعله خارج لونها الأسود.
«الشفافية الرديكالية» التي يبشر بها مؤسس موقع «فايسبوك» مارك زوكربرغ تسويقياً، صارت مطالب راديكالية على الأرض. وبين Like وUnlike خلق الشبان المصريون ما يعلمون. حددوا خياراتهم بضغط رقيق على الماوس. اضغط لمرة واحدة وتمسي الرسالة متداولة ومتناقلة كمنشور سياسي. القيم التي يبشرون بها تعرف جيداً ما الذي يعنيه أن تكون «ضد».
لسان حالهم يقول: «أنا ضد النظام، إذاً أنا موجود». موجود لأكون على النقيض مما هو عليه، وعلى النقيض من مفرزاته ومن الأخلاقيات المشوهة التي يكرسها. موجود ضد الفساد والطائفية، ضد الغوغائية، ضد اللزوجة الملتحية، ضد الاستمناء السياسي، ضد الصراخ والظواهر الصوتية. الهدوء كان مطلباً، لكنّه صار الهدوء الذي يسبق العاصفة ثم هدوء العاصفة التي تقتلع السنوات المترامية من القهر.
أجيال كاملة لم تنتخب مرة واحدة في حياتها، لم يسألها أحد رأيها في ما يحدث على مقربة شبر منها، تريد لكل ذلك أن يزول. أجيال وجدت مساحةً للقطيعة مع كل ما روّعنا لعصور. والقيم والمبادئ التي تتدافع كل دقيقة من ميدان التحرير قلبت الآليات، وصارت معبراً بعيداً عن التجريد والتنظير الجاف. إنها أفكار حية ومباشرة مجسدة بنقاء جمعي.
(دبي/ سوريا)