استمات المعتصمون في ميدان التحرير ليلة الأربعاء الماضي، ودافعوا عن تخومه ببطولة. ناضلوا بعد يوم طويل، أطلق فيه الفرعون الأخير كلابه المأجورة، ورقته الأخيرة، لتهجم على الثوار العزل، بعدما زلزلوا الأرض تحت هيكله وحاشيته. عندما أطبق الظلام، صمد هؤلاء الأبطال الخرافيون أمام موجات من اللهب والأحجار ورصاصات القناصة. تمترسوا خلف الألواح التي اقتلعوها وخلف العربات المحترقة، وسدّوا المنافذ إلى ميدان التحرير ودافعوا عنها. لكن متاريسهم الأقوى كانت قلوبهم، ومعها قلوب كل من يساندهم ويقف خلفهم. جرح المئات وسال الدم وسقط عشرة شهداء تحوم أرواحهم فوق ساحة التحرير وتنتظر، وتنظر من الأعالي إلى رفاقهم الذين صمموا على ألا يستسلموا، وأن يدافعوا عن الثورة الشعبية ومطالبها المشروعة بإسقاط النظام.

الليلة الماضية استمرت بعض الهجمات من البلطجية، لكن البطش ومنع وسائل الإعلام من تغطية ما حدث لم يأتيا بنتيجة. كبر قلب ساحة التحرير بالآلاف التي توافدت عليه لتشترك الجمعة في تظاهرة عارمة ستجتاح مصر لتعيد القول على مسامع فرعون وتأمره بالرحيل. إذا كانت تونس هي الرئة التي تنفس العالم العربي عبرها الحرية الحقيقية لأول مرة، فإن مصر، التي كانت دائماً القلب، قامت الآن لتنبض بقلب شاب حيّ، وواثق من إيقاعه، يمد مصر ويمدنا جميعاً بحياة جديدة وآفاق أكثر إشراقاً وأملاً.
لعلّ ما يميز هذه الثورة، إضافةً إلى الفضاء السياسي الجديد الذي خلقته، هو المثال الرائع والراقي الذي جسدته بالتضامن بين المواطنين والمعتصمين، والتكاتف والعفوية وتسيير شؤون الحياة من دون تراتبية. وهذا ما لم تتوقعه الدولة التي أرادت تركيع الشعب وتخويفه بالتوقف عن توفير الخدمات وبإطلاق العنان لعنفها.
ذكّرني منظر المتاريس والاستبسال والقصص الرائعة عن الصمود في ميدان التحرير وكل الذين تطوعوا وحرسوا وحموا وأطعموا وضمدوا (واحتجزوا البلطجية) بما يقرأه المرء عن كومونة باريس عام ١٨٧١. الظروف التاريخية والديناميكيات مختلفة بالطبع. فالكومونة استمرت لاثنين وسبعين يوماً ولم تكلل بالنصر، لكنّها أصبحت رمزاً وقدّمت صيغة سياسية جديدة، كما يقول ماركس. وينطبق ما كتبه ماركس عن باريس الكومونة على القاهرة (ومصر كلها) اليوم «تعمل وتفكر وتحارب وتنزف وتكاد تنسى ـــــ وهي تلد مجتمعاً جديداً ـــــ المفترسين الواقفين على الأبواب، وتشع في حماستها لمبادرتها التاريخية». وشباب الثورة «مستعدون لاقتحام السماوات». لكن هل تكفيهم الأرض التي زلزلوها، والتحرير الذي يقفون في قلبه؟ كل قلوبنا الآن تدق على إيقاع قلوبهم.
(نيويورك/ العراق)