دبي| تأتي لوحة التشكيلي السوري صفوان داحول (1961) من زمن آخر. العتمة فيها تنير مواجع مكسوّة بزغب لوني متقشف. سكون يصل حدّ القطيعة مع الحياة الخارجية. لا تبدو لوحة داحول معنيّة بما يحدث خارجها. ثمّة انسحاب إلى الداخل. عزلة مُركّبة تتأسس ملامحها في فضاء من القسوة، وروحانية يمكنها احتمال كل هذا الأذى.


اللجوء إلى الداخل في لوحة داحول ليس هروباً بقدر ما هو وسيلة لجعل الداخل انعكاساً للواقع، مرآةً له، ونتيجة لمفاعيله. اللوحة أمينة لظرفها الاجتماعي. كأنّها سيرة ذاتية، ومساحة كافية للاحتماء وإعادة إنتاج الوعي الأول، وفق حلول بصرية تبدو صارمة وعقلانية حد البرود، لكنّها تمرّر تحريضات مبطّنة تتجاوز التكنيك واللون لصالح التأسيس لمساحة من الحراك الإنساني المؤثر والجارح. كأنّ صاحبها ظل عالقاً هناك، في وعيه الأول. الفنّان السوري يمعن في خلق مناخات طقسية تسبح فيها شخصيته المتكرّرة. تضفي مشهدياته بعداً أيقونياً، وشعائرياً خصوصاً في البروتريهات الكبيرة لوجوهه النسائيّة التي يضيء عتمتها بضوء طهراني يزيد من التباس التلقّي.
عوالم تأخذ في أحيان كثيرة طابعاً قسرياً عنيفاً، وتضعنا في أماكن أخرى أمام فرجة محيّرة. تجاربه الضخمة من أكريليك وقماش تتجاهل اللون بما هو قيمة فنية، وتمضي نحو صياغة بنى هندسية، تستفيد من معمارية صارمة لبناء مساحات منضبطة، قليلاً ما تمنح العين شغباً من نوع ما، باستثناء تلك الانزياحات البصرية في مستويات السطح الذي تتموضع فيه امرأته الأثيرة. أجساد بتكوينات حركية تؤسّس لاستلاب موجع. وجوه ضخمة مغمضة عالقة في فضاء أسود، أو رمادي، بأجنحة صغيرة وعاجزة. تبدو الهموم في لوحة داحول دامغة ولا مفرّ منها. أحزان لا يعوقها فرح موقت وعابر...
«أحلام» داحول أرق مستمر. اللوحة تمضي نحو مزيد من العزلة. الرجل الذي كان شريكاً، تراجع حضوره لصالح نسوية متنوعة التجلّيات، مع الاحتفاظ بتيمة الأصابع، وما تمنحه من تعبيرات محببة وسط كل هذه القسوة. أعماله التي تعرض في «غاليري أيام» في دبي حتى 28 شباط (فبراير) المقبل تحت عنوان «ما زلت أحلم»، هي امتداد للغته البصرية التي تجرَّدت من زينتها، لصالح تعبيرية جعلت من ممكنات الجسد والوجوه وسيطاً لحمل جملة من الأفكار، ورغم اتكائه على خلق علاقة متشابكة هندسياً مع توظيفات أخرى مثل: الكرسي، الطاولة، الخلفيات السوداء، يظلّ الجسد بالتفافاته، والعيون المغمضة والمسترقة، خيطاً ناعماً يدلّنا على مفردات اللعبة.
لوحة الفنان الشاب التي لا تخلو من ارتباط عضوي بمحيطها العام، تلامس حالة قصوى من التغريب والعزل، وربما تعذيب الذات. لا تنسلخ كلياً عن منجزات تشكيلية محلية سابقة، لكنّها في الوقت ذاته منسجمة مع ذاتها، ضمن سياق مهنيّ وفكريّ يراهن عليهما داحول بوصفهما حقله التجريبي المفضّل.
تبدو تجاربه الجديدة أكثر ميلاً إلى خلق علاقات داخلية عميقة ومتشابكة. هندسياتها لم تعد مواربة، ولا تتحرك وفق ضرورات فنية لخدمة العمل. ثمّة استقلالية وخصوصية للتكوين الهندسي الذي باتت خطوطه صارمة وفاعلة في التشكيلات الجزئية للجسد أو في بنية العمل عموماً. في «حلم 28» (364 × 202 سنتم ـــــ أكريليك على قماش، 2010) يصل داحول إلى مرحلة متقدمة من الصفاء. ثمّة أثر كنسي للشكل الغارق في صمت محير. الأبيض والأسود، الضوء الخافت، الإغماضة التي تحيلنا إلى مساحة تأملية مهيبة.
في ملمح آخر من تجاربه، تنكمش المرأة في أقل مساحة ممكنة داخل لوحة ضخمة بعنوان «حلم 27» (400 × 200 سنتم، 2010). يبدو الأمر كأنّنا أمام شرنقة في انتظار ولادة مؤجلة، الطاولة التي نراها في القسم الثاني من اللوحة تظهر خالية، حولها بضعة كراس مهملة، ومتوجة بهالات من كان يجلي عليها ذات يوم. كأنّنا به يستقي عوالمه من غرف سرية معتمة، السواد يبدو أصيلاً في فضاء اللوحة، والضوء هو الطارئ. ومن هنا فإنّ تعقبات الفنان لشخوصه تأخذ طابع البحث في الزمن، لا في الشكل الذي يبدو ثابتاً وملحّاً.
لا تقدّم لوحات صفوان داحول فسحات أمل كثيرة. المرأة في لوحة «حلم 28» حبلى بنفسها، جنينها هو استمرار للحالة نفسها، بين الاستلاب والقسرية. في هذه الأعمال التي تنتمي بمجملها إلى العام الماضي، يقترب الفنان من منطق الصورة الفوتوغرافية. يتجاوز الكثير من التقنيات التي كانت تزخر فيها لوحته لصالح مشهديات أقرب إلى اللقطة الثابتة. جماليات مباغتة، والتقاطات بسيطة، لكنّها قادرة على زرع أثرها في النفس.

حتى 28 شباط (فبراير) ـــــ «غاليري أيام»، دبي. للاستعلام: 97144392395 +



بين المدنية والبداوة

كلّ شيء في لوحات صفوان داحول، مرادف لحكاية فنية وموضوعية تتكرّر منذ أكثر من عشرين عاماً. التشكيلي الذي ولد في مدينة حماه عام 1961، تخرّج من قسم التصوير في «كلية الفنون الجميلة في دمشق» عام 1983، لينال بعدها بعامين دبلوم الدراسات العليا من جامعة دمشق. عضو الهيئة التعليمية في «كلية الفنون الجميلة»، تفرّغ تماماً للإنتاج الفني، وقدم أول معارضه الفرديّة عام 1989، ليقيم لاحقاً معارض في بلجيكا خلال التسعينيات حين قصد عاصمتها بروكسل لينجز دراسات إضافية في «المدرسة العليا للفنون». داحول الذي أفلت من رغبة والده في أن يكون طبيباً بيطرياً، حماه الواقع على خط تماس ملتبس بين المدنية والبداوة. من هنا تبدو لوحته عالقة على حافة ما، في منطقة خاصة من الخوف والتوجس والهواجس التي لا تنتهي.