دمشق| يهدي إدوار شهدا (1952) معرضه الجديد إلى محمود درويش. يتوقف ملياً أمام «جدارية» الشاعر الراحل، يقتبس عبارات موحية، يختزل الإشارة بمفردة لونية يتسلل منها إلى القماشة. «وحيداً في البياض» ـــــ عنوان إحدى لوحات المعرض ـــــ لعلّه البرزخ إلى فضاء الشاعر. ذلك أن اللون الأبيض سيطغى على ما عداه في أعمال هذا التشكيلي السوري، الذي تخرّج من كلية الفنون الجميلة عام 1976. الأبيض هنا غلالة تشف عن كائنات أسطورية وأجساد وطيور ونباتات. محمود درويش بجسمه الناحل، يمثّل أحد عناصر اللوحة، وربما يقف شاهداً عليها.


هذا الاتكاء الصريح إلى الجملة الشعرية في بناء سرد بصري موازٍ، أقحم بعض الأعمال في المباشرة والسذاجة، كأن يتحوّل الشاعر إلى طائر على وشك التحليق، في تفسير عبارة «سأكون يوماً طائراً». ما يميّز أعمال إدوار شهدا في معرضه الذي تستضيفه هذه الأيام «غاليري تجليات» في دمشق ويُختتم بندوة مع التشكيلي السوري (21/2 ـــــ س:6:00)، هو عدم ركونها إلى تيار معلن. هو يتجوّل بطلاقة بين تيارات متعددة. لن نقول إنه تعبيري صرف، سيخطفنا برهة إلى المدرسة الوحشية، سوف يستدعي تارةً نورانية الأيقونة الشرقية. مزيج من ألوان ماتيس، وغوغان، وخطوط بيكاسو، من دون أن يتخلى عن بصمته الشخصية المتأنية في إيجاد علاقات متناغمة، تتمحور في بقعة لونية مغايرة، ستكون مركز اللوحة. في لوحته «لاعب النرد»، تتمازج الشخوص فتغيب ملامحها، عدا يد تحمل وردة، لعلها تحية إلى الشاعر الذي يقف عند تخوم قصيدته، تظلله غيمة زرقاء، قبل أن يغيب في العتمة الرمادية. حالما نغادر ألبوم محمود درويش، نجد أنفسنا أمام فضاء آخر، يتكشّف عن مرجعيات ميثولوجية، تستدعي «سالومي»، و«آدم وحواء»، و«أليعازر»، إلى شذرات من مذكرات يومية في المرسم، وإيقاعات لونية تضبط عناصر العمل بضربة مباغتة. دائرة أو مثلث، أو خط، تتحكّم في مصائر كائنات تسبح في النور، كأنّها ترجيع لحلم في حياة عصية ومشتهاة، من دون ظلال أو ضفاف. هكذا سيقتبس عنوان أسطوانة فيروز الأخيرة «إيه في أمل» لاستكمال شهواته اللونية الصاخبة بغنائية مشبّعة إلى حدود البهجة الخالصة. في مجلّد صدر على هامش المعرض، ويضمّ مجموعة من أعمال شهدا، يكتب يوسف عبدلكي: «المشهد لدى هذا الفنان نوراني، مشهد متعال عن الواقع، تتحاور فيه النساء مع الرجال، الأطفال مع عديمي الجنس، العياني مع الرمزي، الملائكة مع الشياطين، الأجساد مع النباتات، الأساطير مع الواقع، الحشود مع الآحاد، لكل ذلك يبدو المشهد غير قابل للشرح، لأنه مسكون بالغموض، بالسرّ... فلوحة إدوار شهدا لوحة أسرار».



حتى 21 الحالي ـــــ «غاليري تجليات»، (المزة/ دمشق) ـــــ للاستعلام: +963116112338