يعرّي شوقي يوسف (1973) الجسد من فتنته. يعيد خلقه من جديد وفق رؤية مزاجية تستند إلى اللون والحركة. ينفذ التشكيلي اللبناني الشاب إلى ما وراء اللحم، وينظر ملياً في تلك الكتل الجوفاء التي يحرّكها ويصوغها في مشهديات اختبارية ممسوكة بإيقاع ولغة بصرية على درجة كبيرة من الحيوية.


لا يقترب شوقي يوسف في تجاربه الجديدة من لغة تشريحية بالمعنى العلمي للكلمة، بل يستفيد من العنوان الذي اختاره لمعرضه «تجويف اللحم» لخلق ثغرة يلج فيها إلى الداخل، يتعقّب من خلالها حراكاً باطنياً، ويتيح لنا بناء علاقة مختلفة متشعِّبة مع بنية الجسد. في اللوحات التي شاهدناها أخيراً في «غاليري أجيال» البيروتيّة، قد تأخذنا لونيّاته المختلطة إلى نفور من نوع ما، لكننا سنكون في الوقت نفسه أمام فرجة ممتعة، تتقاطع فيها جملة من الانفعالات النفسية والحركية، بلغة تعبيرية قوامها الاختزال، والاستفادة من النتائج المدهشة التي يوفّرها فن الـ «كروكي».
يأخذ التشويه في أعماله قيمة خاصة. العبث في الخلقة التقليدية، يحيل الشكل البشري على ماهيته الأولى، سلسلة من العناصر والسوائل والكتل العضلية، ومتاهة من الخطوط غير المنسجمة. ربما يحاول هذا الفنان تخليص الجسد من سُمك جلديّ متبلد، جعله على مسافة بشعة ومحايدة ممَّا يدور من حوله. أو هو يعرّي الكتلة العصبية الضامرة لوضعها على تماس مباشر مع الحياة. قد تأخذنا مثل هذه التأويلات إلى احتمالات لا نهاية لها، لكن بالشكل العام تبدو لوحة شوقي يوسف قادرة على ترك أثر ملموس ومباشر لدى المتلقّي.اللغة الإشارية، نفي الانسجام من بنية علاقاته اللونية، الاشتغال على كتل هيولية قابلة للانصهار بما حولها، جميعها عناصر تجعل من لوحته جزءاً أصيلاً من مشروع فني شاب يحاول تقديم العالم من منظور جمالي مختلف.
في إحدى لوحات يوسف التي يتركها بلا عنوان (مواد مختلفة على قماش ـــــ 165 × 145 سنتم)، يرتمي الجسد على طاولة. الفضاء الرمادي يضع الشكل في نقطة جاذبة ومسيطرة. الجسد هنا يعطي مشاعر متضاربة، وقد يحيلنا على أكثر من صورة في الذاكرة للجسد المحترق، المقتول. لا تخلو هذه اللوحة وغيرها من شحن عاطفي. يبدو التعاطف ضرورياً لفهم ما يمرّ به الجسد من تحديات وامتحانات وامتهانات غير منتهية.
وفي ثلاثية بلا عنوان أيضاً (أكريليك على قماش) نعاين الجسد في وضعيات صدامية مختلفة، اللون الأخضر يعطي الشكل وقعاً صادماً، وخصوصاً عندما يتداخل الجسد بالطاولة التي تمثّل متّكأً لمعظم الأعمال، أو هي الرابط الوحيد بين أجساد يوسف المنمسخة والعالم الحقيقي. تتخذ أعمال شوقي يوسف في هذا المعرض موقفاً قد يبدو عدائياً وصادماً، لكنّه لا يخلو من تأسيس لبنية عاطفية وانفعالية هدفها خلخلة بنية خارجية متحجرة، والبحث عن بنى داخلية عميقة يمكنها أن تكون أرضية مناسبة للتصالح مع العالم.