تخاض التجارب المسرحية في لبنان بشكلٍ عشوائيٍ عموماً، فلا بنية صلبة يبنى عليها مسرح استمراري. لذلك، تأتي التجارب في معظم الأحيان فردانية/ شخصية. لكن تلك ليست حال مسرحية «آب: بيت بيوت» لفرقة «تحويل» وإخراج سحر عساف ورافي فغالي (بالتعاون مع مبادرة العمل المسرحي في الجامعة الأميركية في بيروت).


رغم أن الاعتراض قائم على اسم المسرحية (حيث لا رمزية له، سوى أنّه مقتبس عن اسم المسرحية الأصلية August: Osage County لكاتبها الأميركي ترايسي ليتس التي تتحدث عن حكاية حدثت في شهر آب)، إلا أنّ العمل جاء متقناً من حيث التمثيل والإضاءة والسينوغرفيا وحبكة القصة. المسرحية التي تعرض على خشبة «مسرح بابل»، تقارب حكاية عائلة مفككة حيث الأبطال لا يحتاجون إلى أن يسمع أحدٌ ما يقولونه، بل همّهم إخراج كل ما في جعبتهم مهما كان هذا الكلام مزعجاً للآخرين. لا أحد يهتم بمشاعر الآخر البتة. هناك دوماً جانبٌ صراعي، وإن «لُطِّف» بمسحةٍ من كوميديا، تجبر الأبطال أنفسهم والجمهور تلقائياً على الابتسام والضحك. تضحك الشخصيات لأنَّ ما يحدث هو حياةٌ ساخرةٌ، فالوالد هو كاتب سكير يقرر فجأة الرحيل والاختفاء، ثم الانتحار. لا نراه أبداً، يبدو أشبه بالقدر في المسرحيات الإغريقية، يؤثر في جميع الأحداث والأشخاص على حد سواء. تبدو كل الأشياء مترابطة منذ لحظة الاختفاء المصيرية تلك: تحضر بنات الرجل لزيارة أمّهن. الوالدة المصابة بالسرطان تدمن المخدرات، وبناتها الثلاث يعشن عالمهن الخاص، اثنتان مهاجرتان (في المسرحية واحدة في فرنسا والثانية في الولايات المتحدة). أما الثالثة، فتقيم مع أمّها في المنزل نفسه. منذ البداية، هناك مباشرة في إيصال الفكرة، لا تضييع للوقت، وإن كان هناك شيءٌ من «إنهاك» في النص المكتوب (ترجمه واقتبسه كلٌ من سحر عساف ورافي فغالي ومنى مرعي)، إذ يتحدّث الأبطال أكثر من اللازم في لحظةٍ ما. يحدث كل شيءٍ في المسرحية بشكلٍ سريعٍ. أبطالٌ يدخلون ويخرجون، صراعاتٌ مباشرة وجانبية، تجعل المشاهد لا يشعر بملل. تقنياً، تبذل سحر عسّاف جهداً هائلاً، فهي تؤدي دور بطولةٍ، وإن كانت المسرحية ذات عملٍ تشاركي، لكن حضورها طاغٍ وهي بزيّ الابنة الكبرى «تمارا» (الأمر نفسه ينسحب على أداء نوال كامل في شخصية «وداد» التي أدت دورها نفسه ميريل ستريب في الفيلم المقتبس عن القصة نفسها عام 2013). يبدو حضور الممثلتين طاغياً، بل «مسيطراً» على زملائهما في العمل.

مونودراما تختزل
وقائع ما يجري اليوم بإشارات خاطفة وموحية


نجحت عساف التي مثلت وأخرجت، وترجمت ونفذت وأدارت الإنتاج في هذا العمل، وإن كان السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الشأن: هل سيستمر الأمر على هذا المنوال، وخصوصاً متى عرفنا بأن فرقة «تحويل» (أسسها روبرت مايرز، وتتكوّن من عساف، ورافي فغالي، وسني عبد الباقي) ستستمر في إنتاج هذا النوع من المسرحيات؟
فنياً/ أدائياً، فالمسرحية التي تميزت بسينوغرافيا متقشفة، لا تشكو من ضعفٍ في الأداء لأي مشاركٍ فيها، وهذا من أبرز ميزاتها، وإن كان سني عبد الباقي ومي أوغدن سميث الأقل حضوراً بين الموجودين. برزت نوال كامل من خلال شخصية «وداد» الأم ذات المشاكل المتعددة، سليطة اللسان التي «تعرف» كل شيء، وهي كانت التعبير الحقيقي عن فكرة «التراجيكوميديا» في المسرحية، فكانت كوميديةً كما تراجيدية في اللحظات عينها، حتى إنها استطاعت انتزاع ضحكات الجمهور في قلب مشاهد تراجيدية. وأدت فرح ورداني دور «ريم» بكثيرٍ من الحقيقية، فلا يشعر المشاهد بأنها بعيدةٌ عن شخصيتها المرسومة، فكانت ضعيفة منكسرة في معظم مشاهدها. ساعد انكسارها ذاك في «تظهير» شخصية الأم القوية، وربما يمكن القول إن أداء ورداني الجميل ساهم كثيراً في إنجاح بقية الشخصيات وإيضاحها. في مستوى آخر، بدت شخصيات بشرى (رهام سابق) وبهيج (مارسيل بوشقرا) ونهاد (إيلي يوسف) وكريم (رافي فغالي) واضحة ومباشرةً لا تحتاج إلى كثيرٍ من «التلصصية» لإدراك ميزاتها. وكان أداء الممثلين واثقاً، فلم نشهد أي هبوطٍ في المستوى في أيٍ من لحظات المسرحية. وفي دور «دانا»، تألقت سارة مشموشي (ابنة الممثل المعروف مجدي مشموشي) في إعطاء صورة الفتاة القادمة من جوٍ مختلف، التي لا تجيد التواصل مع «أقربائها» كما لا يجيدون التواصل معها. «آب: بيت بيوت» عملٌ يستحق المشاهدة نظراً إلى الجهد الكبير المبذول من فرقة «تحويل» في محاولة «صناعة» تجربةٍ مسرحية «خاصة» إلى حدٍ كبير، والعمل على تأطيرها للاستمرارية القادمة.

«آب: بيت بيوت»: حتى 6 كانون الأول (ديسمبر) ــ «مسرح بابل» (الحمرا) ـ للاستعلام: 78/852776