دمشق| نتعرّف إلى «سعدي أبو السعود» في دمغة صورته الأخيرة. رجل أقرب ما يكون إلى البلاهة، سوف يرحّب بنا عند مدخل صالة «القباني»، قبل أن يصعد إلى الخشبة ليروي مكابدات رحلته الشاقة بين «مزبلة التاريخ» و»مزبلة الأحياء»، ذلك أن مدرّس التاريخ في مونودراما «إعادة تدوير» (كتابة وتمثيل أسامة جنيد، وإخراج سامي نوفل)، كاد أن ينسى ماضيه وهو يقلّب صفحات دروس التاريخ التي لم تعد تقنع تلاميذه بأمجاد الأجداد، كما سيُهزم أمام متطلبات زوجته في ظل الغلاء والفواتير الباهظة للعيش... الزوجة التي ستسلب أثاث البيت وتهجره احتجاجاً على ما آلت إليه أحوال المدرّس المفلس. هكذا يشرد في الشوارع، إلى أن يجد نفسه عند أطراف «أظافر المدينة» بالقرب من مجمع قمامة. سوف يشرب الشاي مع «أبو النور» الذي يحرس هذه المملكة المنسية بكنوزها الثمينة، مثل كرسي كان لجنكيزخان، وإبريق شاي كان يستعمله صلاح الدين الأيوبي، ليقنعه الأخير بالعمل معه. وإذا به يكتشف أن مخلّفات البشر أهم من مخلّفات التاريخ، ذلك الذي يكتبه المنتصرون.

مجاز المزبلة سيتكرّر طوال العرض، في إعادة تدوير متناوبة بين المزبلتين، وتالياً، نحن إزاء تاريخ مزوّر، وآخر معيش، حتى في ما يخص اللغة، حين كان المسرحيون في الثمانينيات يستدعون التاريخ إلى الخشبة بتلك اللغة المفخّمة والجوفاء في آنٍ واحد، في إشارة إلى البلاغة الفائضة عن الحاجة. ما جعله يستعيد الفصحى في استذكاراته لسيرته المحطّمة، وقوعه في فخ مجموعة تكفيرية إثر عودته من معتقل غوانتانامو، وكان أحدهم يخاطبه بالفصحى خلال التحقيق معه، ثم يتمكّن من النجاة لاحقاً بقوة البلاغة الكاذبة نفسها.

مونودراما تختزل
وقائع ما يجري اليوم بإشارات خاطفة وموحية
حطام طائرة أميركية وقع بالقرب من المزبلة، أطاح طمأنينته، إذ لم يبق من هذا الحطام سوى الصندوق الأسود للطائرة، وحقيبة محشوة بالوثائق والأقراص المدمجة، فيخطفه الأميركان ليخضع لتحقيق طويل بوصفه إرهابياً، إلى أن تثبت براءته تحت بند «تشابه أسماء». وها هو يعود إلى نبش محتويات الحقيبة ليكتشف هول ما تحويه من وثائق وأفلام، ومشاريع إبادة جماعية، وتمزيق خرائط. تحليق طائرة أخرى فوق «مزبلة الشرق الأوسط الجديد» ينبهه إلى ضرورة الاختفاء على عجل، فيجمع ما تبقى من كنوزه القديمة، ويجرّها بحبل، كما لو أنه يجرّ زورقاً، ليلتحق بحشود المهاجرين. 50 دقيقة اختزل خلالها سامي نوفل وأسامة جنيد برهافة، وقائع ما يجري اليوم بإشارات خاطفة وموحية. مقاولو زبالة الأمس، تحوّلوا اليوم إلى مقاولي سياسة على الشاشات، في إعادة تدوير للتاريخ الشخصي ومحاولة تنظيفه من البقع الداكنة ورائحة العفن. هجاء مرير في توصيف قيم مهتزّة، ومرثية لتاريخ اختلطت بين سطوره الحقائق والأكاذيب، على خلفية شاشة كانت تروي بصرياً تعاقب الفصول، بما فيها هدايا الربيع المنتظر، لكننا لا نعلم مصير كرسي جنكيزخان، أو إبريق الشاي الذي كان يستعمله صلاح الدين الأيوبي. ربما غرقا في البحر أيضاً.

«إعادة تدوير»: حتى يوم غد ــ «مسرح القباني» دمشق