القاهرة | الحرية المطلقة وهمٌ. هذا ما أدركه الإعلاميون المصريون بعد أسبوعين فقط من سقوط الرئيس السابق حسني مبارك. وخير دليل على ذلك هو أداء «التلفزيون المصري»؛ إذ اعتذر هذا الأخير مراراً وتكراراً في الأيام الماضية عن أدائه المنحاز إلى النظام منذ انطلاق الثورة. لكن حتى الساعة، لا يبدو أنه اختار الانحياز الكامل إلى صفوف المتظاهرين في مصر أو في أي بلد عربي آخر. حتى إن تغطيته للثورة الليبية كانت أقل بكثير من المتوقّع، وهو ما يطرح علامات استفهام عدة عن الجهة التي تدير الساحة الإعلامية في مصر حالياً. ويرى كثيرون أن الإعلام الرسمي قد يكون يؤدي دوراً مباشراً في قيادة ثورة مضادة تهدف إلى الانقضاض في أي لحظة على مكتسبات الشارع المصري.

قد يبدو هذا الكلام مستغرباً بعد أقلّ من عشرين يوماً على سقوط مبارك، لكنه حقيقة يتداولها الإعلاميون المصريون بقوة في الفترة الأخيرة. يدرك هؤلاء أن الرئيس المخلوع نفسه لن يعود إلى الحكم، لكنّهم يتخوّفون من جهات تعمل في الخفاء من أجل استمرار النهج نفسه الذي حكم ثلاثة عقود، لكن هذه المرة بوجوه جديدة.
إذاً، بعدما فتحت الشاشات الرسمية والخاصة هواءها لاستقبال المتظاهرين والثوار والمعارضين، عادت العجلة الإعلامية إلى التباطؤ في الأيام القليلة الماضية. ولعلّ سلسلة الأحداث التي وقعت أخيراً توضح الصورة: طلب رئيس الوزراء أحمد شفيق من قناة «دريم 2» عدم إعادة حلقة برنامج «واحد من الناس» التي هاجم فيها الصحافي إبراهيم عيسى حكومة شفيق. وشارك في الحوار أيضاً المخرج خالد يوسف وأداره عمرو الليثي. وقد استجابت المحطة المصرية لهذا الطلب. من جهتها، أبلغت إدارة برنامج «مصر النهاردة» الإعلامي محمود سعد أنّ جدول حلقته المعدة ليوم السبت الماضي، سيتغيّر لأن أحمد شفيق سيحلّ ضيفاً على البرنامج. طبعاً، رفض سعد ذلك، فاعتُذر من شفيق وعرضت حلقة معادة. وقد أكّد سعد في اتصال مع منى الشاذلي في برنامج «العاشرة مساءً» أنه لا يحمل أي مواقف شخصية تجاه رئيس الحكومة الحالي، لكنه رفض فرض الحوار معه من دون إعداد مسبق، وخصوصاً في ظلّ الهجوم الشعبي على شفيق الذي يُعَدّ من الرجال المخلصين لمبارك. وتحدّث محمود سعد عن مشاكل أخرى يعانيها في التلفزيون الرسمي، لينهي تصريحه بالقول إنه قرر مغادرة «ماسبيرو» نهائياً من دون أن يعني ذلك اعتزاله العمل الإعلامي. وأشار إلى أنه تلقى عروضاً عدة من فضائيات مصرية وعربية. في الحلقة نفسها من «العاشرة مساءً»، تلقت الشاذلي اتصالاً من أحمد شفيق الذي أكّد أنه لم يفرض نفسه على البرنامج، بل إن إدارة برنامج «مصر النهاردة» طلبت منه الظهور على الشاشة الرسمية للرد على كل الاتهامات التي يتعرّض لها. وسرعان ما حوّل شفيق الحديث إلى مكان آخر، قائلاً: «ربما غضب محمود سعد بعد تبليغه بأنّ راتبه السنوي سينخفض من تسعة ملايين جنيه (مليون ونصف مليون دولار) إلى مليون ونصف مليون جنيه (250 ألف دولار)». وكان لهذه العبارة مفعولها السريع على موقع «فايسبوك». تعرّض شفيق لحملة هجوم واسعة من ناشطين إلكترونيين اتهموه باستعمال أسلوب النظام القديم في تشويه صورة المعارضين. وتساءل كثيرون عن الهالة التي تحيط بأحمد شفيق، وامتناع وسائل الإعلام عن مهاجمته كأنّه أهم من باقي رموز النظام السابق. هل يتغيّر الأداء الإعلامي الرسمي والخاص قريباً؟ يبدو الجواب مؤجلاً، في انتظار تقويم أداء الرئيس الجديد لـ«اتحاد الإذاعة التلفزيون» اللواء طارق مهدي الذي خلف أسامة الشيخ، بعد سجن هذا الأخير.