يصعب إحصاء كل الوجوه الثقافية التي عبرت بيت الشاعر بندر عبد الحميد منذ سبعينيات القرن المنصرم إلى اليوم. صالون مفتوح على غرفة ومطبخ، في أحد شوارع حي الصالحية، لا تحتاج زيارته إلى موعد، فالباب مفتوح على الدوام حتى في غياب صاحبه. فضاء بديل للأفكار والمشاريع والسجالات الحرّة.


تيارات ثقافية من كل الأطياف تجتمع بالمصادفة في نقاشات بلا خرائط، ووجبات مرتجلة يبتكرها بندر بما هو متوفّر لديه من حشائش برية، ونباتات غرائبية، وخلائط كحولية. على جدران الصالون تدور أحاديث صامتة بين أصحاب الصور المعلّقة كيفما اتفق. هنا شعراء وسينمائيون ومفكرون، ونجمات من العصر الذهبي للسينما، بما يشبه جدارية سريالية. أحاديث متقطّعة وذكريات عن تاريخ هذا المكان، بلا حبكة، ذلك أن بندر عبد الحميد يكتفي بعبارات مبتورة تختزل ذلك الزمن السعيد، ووجوه من عبروا المكان. نصف قرن من ثقافة الظّل بمشهديات متبدّلة على الدوام، مثل بكرات فيلم تدور في صالة معتمة، نظراً لغياب مثقفين بارزين كانوا جوهر الثقافة السورية وأسباب حراكها وبهجتها.
العجلة لم تتوقف عن الدوران تماماً، وإن انطفأت الشعلة جزئياً بتأثير أحوال البلاد في ظل الحرب. يدافع صاحب «مغامرات الأصابع والعيون» عن صمته الشعري، بأنه ما زال يكتب، ويفكّر جديّاً بنشر جديده، بالإضافة إلى مختارات من دواوينه السابقة، مكملاً حياته البريّة من دون شوائب، وكأنه لم يغادر بداوته الأولى.

«وننتظر الربيع القادم،
دون الأغاني العسكرية
والأعلام السود»
محمد ملص الذي بدأ يتردّد إلى المكان بعد غياب سنوات عنه، يتحسّر بأسى على حجم العطب الذي أصاب أحلام ذلك الجيل، وكيف تحطّمت سفنه في عراء لحظة عبثية مجنونة، لافتاً إلى ضرورة ترميم المكان على نحوٍ آخر، إذ لطالما انهمك المثقف السوري بالأسئلة الكبرى على حساب روح المدينة وطبقاتها المهملة، فيما يؤكد عادل محمود ضرورة ترميم أرواحنا بالحوار، ولملمة شظايا من بقي صامداً في البلاد، وإعادة فحص الهوية السورية، ونزع الألغام عنها، بقراءة مغايرة، أقل ريبة، ذلك أن ما تكشّف عن اختلال مفهوم الهوية الوطنية لدى شريحة من المثقفين، يدعو للهلع حقاً. في تلك الجلسة، كما في سواها، سيتوافد آخرون، وستختلط الأحاديث من دون بوصلة تقودها إلى جهة محدّدة، فكل الجهات مفتوحة على الألم، في مكان منذور للحرية والفوضى كما صاحبه.
انقطاع الكهرباء لن يؤثر في حماسة الندماء في نبش أشلاء الأزمنة المنهوبة، والأحلام المجهضة، والشجن. يقول بندر في قصيدة جديدة له: «نحن هنا نقرأ ونكتب ونرسم/ نشرب القهوة في الصباح الباكر/ قبل أن تختفي النجوم/ وننتظر الربيع القادم، دون الأغاني العسكرية والأعلام السود».