طافت جدلية صور العنف في الإعلام إلى السطح مجدداً مع تفجيري برج البراجنة قبل أسبوعين، ومع الإعتداءات الإرهابية التي طاولت باريس أخيراً. كُثر أجروا مقارنة في تعاطي كلّ من الإعلام اللبناني والفرنسي مع الحادثتين، مع الحديث طبعاً عن فداحة التغطية اللبنانية التي «تفنّنت» في عرض صور أشلاء الضحايا وتسليع الفجيعة.


تلك الممارسات لم تكن جديدة على الجسم الإعلامي اللبناني، بينما لامست الفرنسية حدّ تقييد حرية الإعلام عبر توحيد المعلومات وضبط إيقاع حركة الصحافيين الميدانيين، وصولاً إلى القبض على منشورات الشبكة العنكبوتية. هذه المشهدية العنفية «المضبوطة» والمتفلتة، فتحت الباب أمام تساؤلات مهنية شتّى تتعلّق بكيفية تعاطي الإعلام مع الأحداث الدموية المشابهة: هل تفلتر وسائل الإعلام صورها ومضامين أخبارها قبل العرض أو النشر؟ كيف يمكن أن تمارس دورها في التغطية من دون عرض صور العنف؟ ما تأثير تفاقم العنف إعلامياً على الشرائح المجتمعية المتلقية؟ هذه الإشكاليات طرحتها مؤسسة «مهارات» في دراستها الإعلامية الرابعة: «صور العنف في التغطيات الإخبارية للإعلام اللبناني». تعاونت المؤسسة في هذه الدراسة مع برنامج «الأمم المتحدة الإنمائي» لرصد مدى إلتزام الوسائل «ميثاق الشرف الإعلامي» الموقّع في حزيران (يونيو) 2013، وتحديداً بمادته الرابعة التي تنصّ على «حرص وسائل الإعلام اللبنانية على التعامل بمهنية ومسؤولية إجتماعية في التغطيات الحيّة ومشاهد العنف».

سجّلت lbci وموقع
«المدن» النسبة الأعلى في بث الصور العنفية
شملت الدراسة رصد تقارير وتغطيات إخبارية خلال شهر آب (أغسطس) المنصرم لصحف (11) وقنوات تلفزيونية (7) ومواقع إلكترونية (5). نوقشت هذه الدراسة أمس في أحد فنادق العاصمة، مع تسجيل غياب لافت لعدد من وسائل الإعلام الموقعة على «ميثاق الشرف الإعلامي»، ما قد يمثل ثغرة أيضاً في صناعة مقترحات وحلول حول الإشكاليات المطروحة.
بعد التأكيد على أنّ تأثير العنف ليس لحظوياً فحسب، بل ذو مدى قريب وبعيد وفق علماء النفس، كان لافتاً في النتائج المنشورة أن النسبة الكبرى من العنف المصّور في الوسائل الإعلامية تعود إلى تغطيات غير محلية أغلبها إقليمي سياسي حربي (80%). وفي السياق نفسه، أكّد عميد «كلية الإعلام» في «الجامعة اللبنانية» جورج صدقة أنه يمكن ضبط هذه التغطيات و«توجيهها، بما أنها غير محلية»، لكن اللافت أنّ الدراسة أبرزت أنّ نسبة العنف المصّور في نشرات الأخبار المحلية وحدها بلغت 9 في المئة، أي انها نسبة عالية. وكانت lbci صاحبة الحصة الأكبر في هذا الصدد، تلتها قناة «المستقبل» ثم nbn. وضمن المواقع الإلكترونية، سجّل موقع «المدن» (53%) النسبة الأعلى في بث الصور العنفية، تلاه «النشرة» (21.87%) و«ليبانون فايلز» (20.31). وفي ما يخصّ الصحف، تدرّجت النسبة بين «الشرق» (11.30%) و«الديار» (11.14%)، لتنخفض عند «لوريون لو جور» التي سجّلت نسبة منخفضة في عرض صور العنف (5.49%).
في البحث عن أسباب هذا الكمّ من العنف المصّور، يبرز اللهاث وراء الجماهيرية وإستقطاب شرائح أكثر كسبب رئيس في الدرجة الأولى، ولا سيما مع التنافس الحاد الذي دخلته وسائل الإعلام التقليدية مع الإلكترونية والإفتراضية. هذا الأمر استدرج سيلاً من الأسئلة عن الأخلاقيات الإعلامية الغائبة مع غياب أي إستراتيجية وطنية تستظلّ تحتها هذه القنوات وتضبط أداءها المهني. لكن هذا الإجراء يولّد إشكالية أخرى تتعلق باحتمال تسلّل الرقابة الحكومية إلى الجسم الإعلامي. وهنا، أكّد المجتمعون على رفضها والإستعانة بالشرعات الأخلاقية كبديل عنها.
ومن الآن لغاية تطبيق هذه الشرعات، أفضت الدراسة الإعلامية إلى مجموعة توصيات أبرزها إدراك أنّ الموضوع المتصل بالإعلام وصور العنف هو «فائق الخطورة»، والعمل على تشكيل خلية أزمة عند وقوع أحداث دموية لدراسة كيفية التعاطي الإعلامي مع مشاهد العنف، كما حثّت الدراسة على استخدام صور مناهضة للعنف توصل الرسالة من دون الحاجة إلى إستخدام لهذا العنف. على سبيل المثال، صورة الفتاة الفيتنامية العارية الشهيرة التي كانت تصرخ من الألم بما أصابها من قنابل النابالم الأميركية عام 1972، كانت كفيلة بإيصال معاناتها وآلام شعبها من دون الحاجة إلى عرض أي نقطة دم أو جثة متفحمة.