اجتاز برنامج «مهرجان البستان» لموسم 2011 نصف الطريق منذ انطلاقه في 22 شباط (فبراير) الماضي. خلال هذه الفترة، أتمّ البرنامج المجموعة الأولى من مواعيده التي طالت الموسيقى الكلاسيكية في معظم أشكالها (موسيقى حجرة وأوركسترالية، عزف منفرد، غناء أوبرالي، إنشاد كورالي ديني،...) إضافةً إلى أمسية جاز وأخرى شرقية. بعد استراحة قصيرة، سيستأنف «البستان» مواعيده هذا المساء، ويواصلها لغاية 27 آذار (مارس) الجاري. لم تتسنّ لنا متابعة كل الأمسيات التي استضافها «البستان» لغاية الآن. لكن، إذا كانت الأسماء المكرَّسة (مثل عازف التشيلّو الفرنسي غوتييه كابوسون) لا تحتاج إلى التوقف عندها، يبقى أن نشير إلى بعض العلامات الفارقة، السلبية والإيجابية التي نتجت من أداء المواهب الواعدة والأسماء المغمورة. في الأمسية التي جمعت مارتينا فيلياك بالأوركسترا السمفونية لدار الأوبرا في مدينة تبليسي بقيادة جيانلوقا مرتشيانو، نجحت العازفة الكرواتية الشابة في أداء كونشرتو البيانو الأول للمجري فرانز لِيسْت. اختارت العازفة الحسناء العمل الأقلّ أهمية في هذه الفئة، فيما يطال ريبورتوارها معظم كونشرتوهات البيانو الكبيرة من كل العصور.

في الثاني من آذار الجاري، سقط دينيس كوجوخين في فخ كونشرتو البيانو الثاني لبرامز، لكنه نجح إلى حدٍّ مقبول في مواجهة مواطنه سيرغي بروكوفييف، الذي أدّى من ريبورتواره كونشرتو البيانو الثاني أيضاً. أما المفاجأة الأبرز فأتت في الأمسية التي جمعت الثنائي الروسي إدوارد كونز وإيليا رشكوفسكي. على أقلّ تقدير، يمكن تسجيل هذين الاسمَين في لائحة النجوم المحتملين في السنوات المقبلة. كلاهما كان جيّداً، مع مهارات إضافية لمصلحة كونز الذي يتمتّع بشخصيّة محبّبة، كما يُظهر فهماً عميقاً لما يعزف، فهو لا ينفّذ العمل بقدْر ما يؤدّيه.
هذا المساء يقدِّم أعضاء من الأكاديمية الصيفية التابعة لأوركسترا فيينا الفلهارمونية أمسية يؤدّون خلالها رباعي البيانو (بيانو، كمان، فيولا وتشيلو) لدفورجاك. ترك المؤلف التشيكي الكبير رباعيّين من هذا النوع، وهما ليسا أفضل ما كتب في موسيقى الحجرة، لكن من بينهما، فضّلت المجموعة الرباعي الثاني (op. 87)... وحسناً فعلت. أما العمل الثاني فهو عمل من الصف الثاني في فئة موسيقى الحجرة لبتهوفن (بعد رباعيّات الوتريات وبعض ثلاثيّات البيانو). إنه السباعي (op. 20) الذي يجمع بين آلات النفخ والوتريات.
مساء غد، يستقبل «البستان» عازفة الترومبت البريطانية الشهيرة أليسون بالسوم التي تؤدي برنامجاً واسعاً (برفقة توم بوستر على البيانو)، يمتدّ من حقبة الباروك إلى القرن العشرين. دون المساس بالمستوى التقني الذي تتمتّع به بالسوم وبأدائها، لا ترضي هذه الأمسية إلا جزءاً من الجمهور، بما أن البرنامج مليء بتوليفات ومقتطفات، الأمر الذي لا يستسيغه المستمع الكلاسيكي الجدّي. أما محبّو الـBel Canto الإيطالي والغناء الأوبرالي الأوروبي عموماً، فموعدهم مساء السبت في 12 آذار (مارس) الجاري مع السوبرانو الألبانية إينفا مولا. يليها مساء الأحد عازف الكمان فاليري سوكولوف وعازفة البيانو كاترين ستوت اللذان يعودان إلى المهرجان بعد مشاركة في دورة 2008، وسيقدمان أمسية قد تكون الأجمل هذا الأسبوع، مع موزار (السوناتة K. 301) وغريغ (السوناتة الثالثة) وبرامز (السوناتة الأولى) ورافيل (Tzigane).
أمّا مساء الاثنين المقبل في 14 آذار الجاري، فتقدِّم الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية، بقيادة جيانلوقا مرتشيانو، أمسيتها الأولى في هذه الدورة، على أن تؤدّي السمفونية الأولى المسمّاة Der Titan (الجبّار) لغوستاف مالر. إنها من المقطوعات الأكثر نعومةً في ريبورتوار المؤلف النمساوي إذا ما قارنّاها بسمفونياته الأخرى (وبالتأكيد اختيرت دون سواها لهذا السبب). لا خطورة كبيرة متوقعة في أداء هذا العمل من الأوركسترا الوطنية إلا في الحركة الرابعة التي تعدّ الأصعب تقنياً. فبعد الحركة الثالثة التي يستخدم فيها مالر لحن تهويدة FRERE JACQUES المعدّل ليصبح مظلماً، ستفجر الأوركسترا بالصراخ هرباً من الجحيم وتوقاً إلى الجنة.



«مهرجان البستان» : حتى 27 آذار (مارس) الجاري ــــ «أوديتوريوم إميل البستاني» (بيت مري/ المتن). للاستعلام: 04/972980 و03/752000