نتّصل للتذكير بموعدنا، فنجدها على أهبة الاستعداد. «لست بحاجة للتذكير، أنا صارمة مهنيّاً»، تجيبنا بنبرة لا نميّز فيها اللوم من التودّد. على الزاوية المقابلة لـ«مسرح المدينة» القديم، في حي كليمنصو البيروتي، تقيم «الست نضال». المنزل ينتظم حول الكتب واللوحات التي يحمل بعضها توقيع رفيق دربها الإعلامي والفنّان فؤاد نعيم، كأنّه مكتبة تحتضن الغرف. بألوانه ومناخاته والذوق البسيط للديكور والأثاث، يبدو البيت حضناً دافئاً خارج الزمن. واحة أمان تحتاجها هذه المحاربة القديمة، من سلالة «النساء الأمازون» حين تنسحب من أرض المعركة: طاولة من خشب قديم، وأقمشة بألوان ترابيّة.

هذه السنة تحتفل نضال الأشقر بيوبيلها الذهبي. 50 عاماً في المعترك ساهمت في كتابة صفحات مشرقة من تاريخ المسرح اللبناني والعربي. واليوم تحديداً يكرّمها «معرض الكتاب ـــــ أنطلياس» في احتفاليّة تعرض وثائق نادرة، ويتحدّث فيها الإعلامي طلال سلمان وآخرون.
تستيقظ «الطباخة الماهرة» عند السادسة صباحاً. تردّ على الرسائل، تمارس الرياضة، ثمّ تبدأ نهاراً من المواعيد المزدحمة. «لا أتوقف عن العمل. أسافر، أقرأ، ألتقي الصحافيين، والأصدقاء والزملاء. أحب الموسيقى، وبيتي وحديقتي... والسترات الجميلة، والحلي، والعباءات. في خزانتي أكثر من مئة عباءة». في بيتها، تبقى نضال الأشقر كما تراها في الأماكن العامّة. أنيقة، وجاهزة للصورة، مع ثقة طافحة بالنفس.
مديرة «مسرح المدينة» تخبرك عن طفولتها الصاخبة بصوتها، ويديها، وعينيها، وكلّ جسدها، حتى تكاد ترى أمامك أدونيس، وسعيد تقي الدين، وبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وأنسي الحاج جالسين في بيت آل الأشقر في ديك المحدي (المتن). هناك ولدت نضال، في كنف أسد الأشقر، السياسي والقيادي في «الحزب السوري القومي الاجتماعي»، وزوجته رؤوفة خوري. لا تتذكر والدها إلا مطارداً أو مسجوناً. كلّ ما تحفظه من تلك المرحلة «أحداث أكبر من الطبيعة، قد تكون جذبتني لاختيار مهنة مختلفة». هكذا، قررت الطالبة المشاغبة دراسة الإخراج. في «كلية البنات الأهليّة» التي اختارها الأهل لطابعها العلماني، التقت شكسبير، وبدأت أولى محاولتها في كتابة حوارات مسرحيّة.
انقلبت حياتها إثر سفرها للدراسة في «الأكاديمية الملكية للفنون الدرامية» (RADA) في لندن. كان ذلك في 1960، العام نفسه الذي شهدت نهايته انقلاب القوميين، وسجن والدها. «دخلت لندن كأنني أليس في بلاد العجائب. رأيت عالماً كأنّه أصيب بمسّ من الجنون». كانت العاصمة البريطانية حينها ترقص على أنغام الـ«بيتلز»، وفيها انخرطت نضال في عالم الاحتراف الفعلي، على يد المعلّمة جون ليتلوود: «تعلّمتُ منها كيف أعجن اللغة وأخبزها، كيف أطوّع كلّ مفصل من جسمي ليصير قادراً على احتواء أي شخصيّة كانت».
عادت إلى لبنان بعد أربع سنوات، وبدأت مرحلة خصبة من العمل المسرحي، أنجزت خلالها باكورتها الإخراجيّة «المفتش العام» عن نص لغوغول. وعام 1968، خطّت سطراً مفصلياً في مسيرة المسرح اللبناني الحديث، حين أسست مع روجيه عساف «محترف بيروت للمسرح». تمكّن المسرحيان من تحويل محترفهما الناشئ إلى مختبر فكري وجمالي وسياسي، تحلّق حوله الصحافيون والشعراء... ثمّ جاءت مسرحيّة «مجدلون» (1969)، لتتناول العمل الفدائي الفلسطيني، وتنتقد فساد النظام السياسي اللبناني. خطاب جريء كلّف المحترف «كبسة» من الـ«فرقة 16». منعت قوى الأمن المسرحيّة على خشبة «البيكاديللي» العريقة، فما كان من الممثلين إلا أن واصلوا عرضهم في الشارع، ثمّ في مقهى «الهورس شو»، ثمّ... في مخفر الدرك. كانت أياماً مباركة لم تعرف بيروت مثلها: «اشتغلنا مسرحاً يتنبّأ بالخراب. مسرح أدرك ضرورة زعزعة نظام يقوم على التواطؤ بين رأس المال، والمؤسسات الدينية، والدول». تلك التجربة أثمرت أعمالاً استثنائيّة في ذاكرتنا المسرحيّة مثل «كارت بلانش» و«مرجان ياقوت».
إلى جانب عملها في المسرح السياسي، صوّرت مطلع السبعينيات مسلسلات لا تزال محفورة في ذاكرة مشاهدي «تلفزيون لبنان»، أشهرها «تمارا»، و«نساء عاشقات». بعيداً عن الشاشة، عاشت قصّة حبّ شبيهة بحكايات الأفلام. كانت تؤدي دور سلمى كرامي في فيلم ليوسف معلوف بعنوان «الأجنحة المتكسرة» (1964) عن نصّ جبران خليل جبران. «أثناء التصوير في بشري، كنت أنزل الدرج بثوب العرس، حين مرّت سيارة وتوقفت قبالتي وأطلّ منها شاب». عام 1973، تزوّجت بذلك الشاب، الصحافي والمخرج فؤاد نعيم، ثمّ سافرت معه إلى عمان إثر اندلاع الحرب. في العاصمة الأردنيّة، أقامت 11 عاماً. كانت تلك مرحلةً خصبة بالأدوار التلفزيونية التي أطلقت شهرتها العربية مثل «شجرة الدرّ»، و«زنوبيا ملكة تدمر». وشاركت في تأسيس «فرقة الممثلين العرب» مع الطيب الصديقي وآخرين، وحقّقت بإدارة المسرحي المغربي المذكور إحدى أضخم تجاربها المسرحية: «ألف حكاية وحكاية في سوق عكاظ» (1985).
حين عادت إلى بيروت نهائياً في التسعينيات، كان الخراب قد التهم المدينة. فكّرت أن الوقت حان لتحقيق حلم قديم، فكان «مسرح المدينة» عام 1994. دخلت معترك الإخراج من جديد مع «طقوس الإشارات والتحولات» (1996) عن نص سعد الله ونّوس، ثم «منمنمات تاريخيّة» (1997)، و«3 نسوان طوال» (1999 ـــــ 2001)... «أردت المسرح ملاذاً للشباب» تقول. وبعد إقفاله عام 2004 إثر انتهاء العقد، خاضت رهاناً مجنوناً بفعل إصرارها على استئناف التجربة في الحيّ نفسه. هكذا انبعث «مسرح المدينة» مجدداً في سينما «سارولا».
آخر أعمالها مأخوذ عن نص كتبته مع عيسى مخلوف بعنوان «قدّام باب السفارة الليل كان طويل»، وحالياً تتعاون مجدداً مع الشاعر اللبناني لإنجاز عمل ضخم بعنوان «شروق». تنشغل هذه المحاربة بمتابعة الثورات العربيّة، وتحلم بأن يتمكّن «الشباب اللبناني اللاطائفي من الحصول على مطلبه في قانون مدني، وفصل الدين عن الدولة». الفنّانة المسرحية التي تحتفل اليوم بيوبيلها الذهبي في «عاميّة انطلياس»، ما زالت تحتفظ بالزخم المناضل الذي طبع بداياتها. لم تفقدها الخيبات حماستها وأملها بالتغيير. «هذا ليس حلماً ـــــ تقول ـــــ نحن نطالب بأبسط حقوقنا».




5 تواريخ

أوائل الأربعينيات
ديك المحدي (المتن/ لبنان)

1968
أسست مع روجيه عساف «محترف بيروت للمسرح»

1984
خلال إقامتها في عمّان، أسست «فرقة الممثلين العرب» مع الطيّب الصديقي، وشاركت العام التالي تحت إدارته في «ألف حكاية وحكاية في سوق عكاظ»

1994
بعد عودتها إلى بيروت افتتحت «مسرح المدينة» في كليمنصو، وبعد عشر سنوات انتقلت التجربة إلى سينما سارولا في شارع الحمراء

2011
تكرّمها «الحركة الثقافية في أنطلياس» عند السادسة والنصف من مساء اليوم ضمن «المهرجان اللبناني للكتاب» لمناسبة خمسين عاماً من العمل في المسرح. وتعدّ لعمل ضخم بعنوان «شروق» مع عيسى مخلوف