السكون في أعمال الفنانة البصريّة الأردنية صبا عناب (1980) ليس حياداً. يمرر الرمادي جدلاً ضمنياً، يبدو قاسياً وصادماً.


يتراجع الشكل، ويتحوّل إلى فكرة مستترة، لتصير اللوحة مساحة لخلق بنية بصرية بمستويات عدّة. ليس الغرض هنا إنجاز لوحة بالمعنى الجمالي، بقدر ما هي إعادة قراءة وتوثيق لمشاهدات مدينية، على شكل إشارات مرميّة في ذلك الفراغ المصنوع بعناية.
لا تدخل عناب لعبتها البصرية من بوابات مألوفة. هدفها المتمثّل في تقديم قراءات متنوعة لمفهوم إعادة إنتاج الفراغ، قاد لعبتها إلى لوحة شديدة التقشف. بنيتها الداخلية تقوم على جملة من العناصر المتماسكة، القادرة على حمل إحالات مصدرها جهد بحثي وتأملي في شبكة العلاقات والمفاهيم والنظم التي يتأسَّس وفقها المكان. الفنانة الآتية من خلفية أكاديمية هندسية، تبدو مسكونة بتقديم قراءات ممنهجة للمكان بمعناه البنائي، والآثار التي يخلّفها. هكذا تبدو الحميمية متوارية خلف كتل خرسانية هائلة، أو دمار خلّف أكواماً من الإسمنت.
في الكثير من أعمالها، نجد الفنانة تتعقب حالات مدينية عدّة. يبدو المنظور البنائي جزءاً أساسياً في بنية اللوحة، الموثّقة لما يفرزه البناء (الكتلة) على اختلاف أشكاله ووظائفه. ولعلّ استنادها إلى مجازيات بصرية مكّنها من خلق جدليّة بشأن النتائج الخفية لجماليات الكتل البنائية في المدن، باعتبارها تعبيراً عن وعي فردي أو جماعي، تلبّي حاجات عامة.
في بيروت حيث تعرض عناب مختارات من أعمالها في صالة «أجيال» حتى 19 آذار (مارس) المقبل، يجد المتلقّي نفسه أمام سؤال محيّر: كيف يمكننا البناء من دون أرض؟ تنقل أعمال عناب الإجابة عن هذا السؤال من ظرفها البحثي المعماري إلى مستوى سياسي بامتياز. تلك الخرسانات والكتل المعدنية المعلّقة في فضاءات الأعمال، هي جزء من محاولة الإجابة عن هذا السؤال الذي فرض نفسه على عناب عند مشاركتها في إعادة إعمار مخيم نهر البارد للّاجئين الفلسطينيّين. أن تكون بلا أرض، فهذا يعني تماماً أنّك عالق في مساحة وهمية. البناء ضمن هذه الفرضية لا يتجاوز كونه حلم يقظة، أو تحايلاً وتجميلاً لكارثة إنسانية حقيقية. هذا الواقع يحيلنا ذهنياً على ظرف افتراضي يصير فيه المكان مُضلّلاً وفاقداً دوره الإنساني والتاريخي.
الفنانة الأردنيّة الشابة التي أطلقت على معرضها عنوان «أرض بلا خراف»، تبدو معنيّة هذه المرة بالخراب، أو اللامكان. دراسة البناء هنا تأخذ شكلاً ضبابياً. تتراجع الألفة ليحلّ مكانها تغريب وتحييد للحس البشري. ثمة بقايا خرسانية عملاقة. كتل عمرانية منهارة، تخلق لنفسها فضاءً هشّاً، تدفعنا إلى إعادة التأمل في الدلالات المخيفة للمكان بوصفه حالة مؤقتة وقابلة للزوال في الحروب، والكوارث الطبيعية، أو في موضة هدم الأماكن القديمة.
يغلب على أعمال صبا الطابع المونوكرومي. لا تصل ألوانها المتقشّفة أساساً إلى ملمح نهائي، ما يفرض ضبابية تؤكّد دلالاتها القاتمة. في لوحة بلا عنوان (مواد مختلفة ـــــ 122×80) ترصد عناب حطاماً إسمنتياً يبدو أنّه من مخلّفات حرب ما. الكتلة باردة في فضاء رمادي، تتأسّس فيه جملة من المشاعر المتضاربة. يحيل الفراغ والمساحات الجرداء في لوحة عناب على عنف تفرضه تلك الكتل الخرسانية. تبدو الكتلة قاسية، ولديها إمكانات ملموسة على الانتهاك كما في لوحة أخرى بلا عنوان (مواد مختلفة ـــــ 122×80)، ترفع عناب مسطّحها الصلب من داخل مساحة سوداء في زاوية اللوحة، تطلقه نحو السماء حاملاً ما يكفي من القدرة على زرع الشعور بالتلاشي.
أما تجاربها الأخيرة، فتنحو إلى معاينة الخراب الذي تخلّفه الفوضى المدينية. تنظر ملياً في العبث الباطوني في التجمعات العمرانية العشوائية المؤقتة، كما هي حال المخيمات الفلسطينية، وأحزمة الفقر المحيطة بالمدن. لمن تبنى كلّ هذه البيوت؟ ولماذا تهدم؟ كأنّ الهدم يصير أشبه بمجزرة مزمنة.

«أرض بلا خراف»: حتى 19 الحالي ـــــ «غاليري أجيال» (بيروت). للاستعلام: 009613634244