لن نجد عبارة واضحة في حروفيات نجا المهداوي (1937)، كي نتكئ عليها في تفسير هذه المتاهة من الخطوط والأشكال والرسوم المبهمة. سنتوقف طويلاً أمام لوحته لفكّ طلاسمها وتمائمها ووشومها، لكن من دون جدوى. الحرف هنا كتلة بصرية مكتفية بذاتها. شغف هندسي صارم، وفضاء تجريدي مفتوح على مسالك متعدّدة، ستنتهي إلى صوفية آسرة، ومنزّهة عن المقاصد الحسيّة. دوران إيقاعي إلى حدود الشطح. في معرضه الدمشقي الأول «وصل» الذي تستضيفه «غاليري رافيا» حالياً، فرصة لاكتشاف هذا المختبر الحروفي المتفرّد.


ذلك أنّ الحرف هنا، مجرد علامة بصرية تنأى عن المعنى، لتدخل في متاهة الرمز في توليفات متوالدة. الكتابة حجاب، والخط مغناطيس جمالي لجذب العين أولاً. هكذا يمزج التشكيلي التونسي الرائد مرجعيات ميثيولوجية وتاريخية مختلفة في بناء عمارته الهندسية، نحو تأسيس فضاء حروفي مستقل وطليق ومبهر، لا يخضع للقواعد التراثية للخط.
سعى المهداوي باكراً إلى نسف الأسئلة القديمة للخط باعتباره إعادة نسخ لنص يقيني ومكرّر. «قضيتي الرئيسية في الرسم هي السعي إلى الإبداع، وإرادة الإفلات من المتاهة الثقافية التي تجبرنا على الإذعان لنوع محدّد، أو لأسلوب مسبق ومنجز». لكن، إلى أين سيقودنا هذا الخطاب البصري المغلق؟ يجيب: «ما أقوم به هو تعرية الشكل المكتوب، سواء ما يخص القواعد أو الرموز الثقافية، وتخطّي الشيفرة الأصلية نحو إشارات جديدة تمثّل هويتي المعرفية في المقام الأول».
ليس المهداوي خطّاطاً بالمعنى المتداول، أو حتى حروفياً على غرار تجارب عربية أخرى، بشّر بها جماعة البعد الواحد في بغداد الستينيات، مثل جواد سليم، وضياء العزاوي، ورافع الناصري... إنّه تشكيلي ومصمّم، يحرّر الحرف من سجن المعنى ويطلقه إلى رحابة الشعر، محمولاً على نفحة روحانية لجهة اللون والتوريق والتوشيحات. وشوم تحمل في متنها بعداً إيقاعياً خالصاً، وموسيقى خفية، تُضمر نصاً مرئياً عصياً على التجنيس أو المعاينة. كأنه يراهن على بلاغة النفّري في «تشكيل الحرف»، لكن من ضفة مقابلة. بزغت تصورات المهداوي للوحة حروفية عربية، أثناء دراسته في أكاديمية «سانتا أندريا» في روما، ولاحقاً في باريس. لم يخضع لمفاهيم ثقافة الآخر، بل أراد التحاور معها، فراح يفتّش عن هويته الخاصة، كمتوسطي من الجنوب متشبع بحضارات متعاقبة. كانت «ألف ليلة وليلة» بوصلته الأولى لاكتشاف البعد السردي المتوالد، فأنشأ نصاً موازياً ينهض على الشكل البصري للحرف...
هكذا أنجز تصوراً حروفياً يواكب النسخة الفرنسية من «الليالي العربية» التي ترجمها جمال بن شيخ. ثمّ خاض تجارب أخرى، أخرجت الخط العربي من جدران المتاحف والمساجد إلى فضاءات حياتية أرحب، تشتبك مع مختلف أنماط الفنون المعاصرة، مستفيداً من وسائط أخرى في ارتجال رسومه وتصميماته ومدوّناته الحروفية، على الجدران والحلي والسجاد والزجاج، إلى تجارب ارتجالية مع عازف العود العراقي منير بشير، أو مع الكوريغراف المكسيكية غوادا لوبي، أو مصممة الأزياء التونسية آمال الصغير، إلى التصميم الغرافيكي لنصوص بدر شاكر السياب، وجبرا إبراهيم جبرا.
وقد خاض الفنان التونسي تجربة أكثر جذرية، مع الكاتبة السعودية رجاء عالم (بوكر ٢٠١١)، في حوار بين النص المكتوب والنص المرئي، كانت حصيلته كتاباً مصوّراً بعنوان «مراتب العشق»، مستوحىً من مناخات «ألف ليلة وليلة»، وبعض النصوص الصوفية، في مزج فريد بين ما هو حسي وروحاني. بالطبع لن ننسى تجربته مع الموسيقي الإسباني رودريغو دوزاياس في «سيد العشق»، إذ اقتفيا أثر ابن عربي ونصوصه في العشق الإلهي.
تعلّقه بالموروث الإسلامي لا يعني استكانته للمنجز، بقدر ما هو مغامرة، وجدل خلّاق مع هذا الإرث، ومحولة لزجّه في لجة فنون الحداثة بكل وسائطها... كلّ ذلك لإنتاج دلالة مغايرة، تقوم على ركائز نظرية متينة. لعل «فتنة التلقي» تقع في صلب الرهانات الجمالية لهذه النظرية، عن طريق إطاحة المكتوب لمصلحة المرئي، أو نسف ثقافة السماع، والانصياع التام لثقافة العين. في أعماله المبتكرة يردم المهداوي المسافة بين ما أنجزه الواسطي في «المقامات»، واللحظة التشكيلية العربية اليوم، بحيرتها بين هوية محليّة من جهة، وإذعانها لمتطلبات ومفاهيم محترف الآخر. السطح هنا لا يحتمل أي دلالة لفظية أمام سيولة الأشكال المركّبة والمتناسقة بمهارة ودأب، يصلان إلى حدود النشوة الذاتية. شجرة العلامات تذهب إلى فضاءات متحرّرة من سلطة المكتوب. إنّها تعمل، بالتالي، على إزاحة سلطة المقدس بكل ثقلها التاريخي في قطيعة معلنة. تفعل ذلك على الرغم من حضور الأشكال الزخرفية المتوارثة التي طبعت رسوم المخطوطات القديمة، فضلاً عن النقطة والدائرة والمثلث...
وإذا بنجا المهداوي يخترع أبجدية جديدة تنطوي على بحث جمالي، وتكوينات غرافيكية لا تأنس إلى شكلٍ مستقر، حتى في نسيج اللوحة الواحدة. بحركةٍ ما، يخلخل التناغم الهندسي المتناغم، عبر حوار لوني مضاد.

«وصل»: حتى 26 آذار (مارس) ــــ «غاليري رافيا» (دمشق). للاستعلام: 00963113310803