كالأثير هي امرأة زهير مراد. تأخذ مكانها بين عالمين. الأول مشغول بالحلم والخيال، والثاني يثبّت قدميها في العالم العصري. مزيج يخلق الغموض الذي يحبّه صاحب البزّات السوداء حصراً. «الأشياء الواضحة قد تكون جميلة، لكن لا جاذبيّة فيها»، يهمس لنا.

في تصاميمه، يدسّ مصمم الأزياء اللبناني «قطبة خفيّة» دوماً. شيء ما يجعلك تتساءل عن مصدر الإلهام، وعن خلفيّة التصميم. يبدأ مراد بالعمل على فساتينه كأنها منحوتة، تكون بدايةً مبهمة، ثم رويداً رويداً تأخذ شكلها النهائي. هكذا يصمّمها لجسد وروح متخيلين، حتى تأتي المرأة فتنفخ في الفستان الروح التي كانت تنقصه ليحيا هو الآخر.
في داره وعالمه، يبني زهير مراد أعماله على مدماك متين، يعتبر أنّه يعطي تصاميمه فرصة الخلود. يعتمد على أسس كلاسيكيّة لينطلق منها إلى تصاميم عصريّة. كما أنّه يرتّب داره تبعاً للمبدأ نفسه. في داره المتاخمة لشارع الجميزة البيروتي، الأسود والأبيض يحدّدان نبض المكان. جدران سوداء وُضع أمام كل منها إناء يحوي زهرة أوركيد بيضاء، لتبدو كأنها رُسِمت بيد متأنيّة على الحائط. هكذا، كل شيء يبدو كأنّه وضع هناك لسبب. ثم يكمل مراد المشهد بمرايا عديدة تلتفّ عليك في المكان لتعطيه حسّه العصري.
المصمّم الشديد الثقة بنفسه وبموهبته، يستمدّ بلا شكّ بعض طاقته الإبداعيّة من المرايا التي تحيط به. طبعت شخصيّته المَشاهد التي علقت في رأسه من سيرة الترحال التي عاشها في طفولته بين الريف والمدينة، ثم داخل المدينة نفسها بسبب الحرب الأهليّة اللبنانيّة. بين رأس بعلبك في البقاع، ثم منطقة سنّ الفيل (شرق بيروت)، انتقل مراد من جو القرية البسيط والطبيعة المحيطة به، إلى العيش وسط الضجيج والمباني السكنيّة التي طلتها الحرب باللّون الأسود. هكذا تكوّنت لوحة ألوانه.
من الأسود والأبيض، تتفجّر ألوان الأحجار الكريمة التي يحبّ. من اللؤلؤ إلى الياقوت الأزرق والأحمر والزمرّد... حتى «الكريستال». يقول: «أحبّ الأشياء اللمّاعة والبراقة». في طفولته، كان ذلك الصبي الذي خلق عالمه الصغير بعيداً عن أزيز الرصاص في الخارج. كان يرسم صوراً تملأها الحياة والألوان. شيئاً فشيئاً، اكتشف ميله إلى رسم التصاميم وابتكار الأزياء.
في بيروت البعيدة عن أجواء الموضة في زمن الحرب، لم يعرف مراد المجلات المتخصّصة في هذا المجال، ولم يتابع عروض الأزياء على شاشات التلفزيون. كان يجد متعته في متابعة نجمات هوليوود والفنانات العربيّات.
خاض تجربة في برنامج «استديو الفن»، أواخر الثمانينيات أكدت له تفوّقه في المجال. إذ تقدّم بأعماله إلى البرنامج، وهو في الرابعة عشرة من عمره، بينما كان الحدّ الأدنى لأعمار المشتركين هو 18 عاماً. لكن منظّمي البرنامج لم يستطيعوا رفضه، بسبب موهبته الواضحة فشارك في البرنامج.
تيقّظ المصمّم باكراً إلى أهميّة العلاقة بين الزبونة وخيّاطها من خلال مراقبته زيارات أمّه لخيّاطها. لفت انتباهه كيف كانت أمّه نفسها، تحوّل أيّ قطعة قماش إلى شيء ذي منفعة على آلة الخياطة، فتفتّحت حشريّته في المجال. من هنا يقدّس مراد العلاقة بينه وبين زبونات الخياطة الراقية. ومع أنّه أطلق مجموعته للملابس الجاهزة منذ عام 2002، إلا أنّه يبدو أكثر تعلّقاً بالـ«هوت كوتور». يعتبر نفسه متأثراً بالحضارتين الرومانية واليونانيّة. يعشق الأقمشة المنسدلة التي تلفّ الجسد، تأخذ شكله وتتحرّك معه حتى تشعر المرأة بها كأنّها قشرتها الثانية، من دون التفريط بلمستَي الإثارة والعصريّة التي تحتاج إليهما كل امرأة. مثلاً، في مجموعته الأخيرة التي حملت عنوان «ترنيمة إلى الصحراء»، يمزج مراد بين «الموسلين» والثنيات الكثيرة في القماش والحديد.
تأتي معظم ابتكاراته من مخيّلة يغذّيها حبّه للطبيعة، والسينما والسفر. يحبّ كل جديد يمكن أن يراه خلال أسفاره، كما يفضل سينما الخيال العلمي لأنّها «تحتوي اكتشافاً لصور أخرى، أو بالأحرى صور لم نعتد رؤيتها في حياتنا اليوميّة». يظهر تأثّره الواضح بهذه الأفلام في أوّل مجموعة قدّمها في مجال الـ haute couture. كان ذلك في عام 1998 في أحد فنادق أدما (كسروان). منذ البداية، قرّر مراد أن يخطو خطواته الأولى بجرأة، مصمّماً على ترك بصمته الخاصة في المجال. فكانت تيمة عرضه الأول Galaxy، وتمحور حول الفضاء، والنجوم والقمر.
أثار عرضه ضجّة لجرأته، وانطلق من بعدها مراد في العام التالي إلى أسبوع الموضة في روما Alta Roma Alta Moda.
لكن المصمّم الشاب الذي كان قد افتتح محترفه الأول في الزلقا عام 1995، كانت تجذبه باريس.
في عام 2001، نجح في اختراق أسوار عاصمة الموضة المستعصية، حاجزاً لنفسه مكاناً على لائحة أسبوع الموضة الباريسي للخياطة الراقية. وبعد فترة قصيرة، افتتح داره الباريسيّة في شارع فرنسوا الأول الذي أصبح يستقبل فيه المشاهير ونجمات هوليوود، فارتدت تصاميمه جنيفر لوبيز وكايلي مينوغ وإيفا لونغوريا وكريستينا أغيليرا...
ورغم النجاح الكبير الذي حقّقه، تجد لدى زهير مراد توقاً دائماً إلى اختبار كل ما هو جديد، إنّه مسكون بهاجس الابتكار الذي يصنع فرادة مصمّمي الأزياء. لذلك خاض لأربع سنوات تجربة التصميم والإنتاج بكميات كبيرة من خلال تعاونه مع سلسلة متاجر «مانغو» العالميّة للألبسة الجاهزة: «عالم الإنتاج بكميات كبيرة وبأسعار جيدة كان جديداً عليّ. نوعيّة القماش التي أعمل بها، اختلفت، إضافة إلى تفاصيل عديدة أخرى كالأكسسوارات والوقت الذي يستلزمه العمل على الفستان. لكنها كانت تجربة جيدة، أخذت تصاميمي إلى بلدان لم أكن أحلم بالوصول إليها».
في عالم زهير مراد الذي لا ينفكّ يتوسّع، هناك مكان للتصاميم المخصّصة للرجال... على الطلب فقط. لكن المصمّم اللبناني يكشف أنّه سيطلق قريباً مجموعته الرجاليّة، ويفتتح داره الجديدة في الجميزة أيضاً، المؤلّفة من عشر طبقات.
رجل البزات السوداء حصراً، يكمل مسيرته بعين على العالم وأخرى على النجوم. يستمتع بمحاولة معرفة ما يجري خلفها، بل يكفيه هذا الجوّ من الغموض والخفاء الذي تنثره مع غبارها. يتلقّف مولود برج السرطان تحرّكات الكواكب وأخبار النجوم، متأثراً بأعراض القمر المكتمل، ومستشفّاً ما يخبّئه له المستقبل.




5 تواريخ

1971
الولادة في رأس بعلبك (البقاع)

1995
افتتح أول محترف له في منطقة الزلقا (شمال بيروت)

1999
دخلت أزياؤه أسبوع الموضة في روما Alta Roma Alta Moda

2001
أوّل مشاركة في أسبوع الموضة الراقية في باريس

2011
يفتتح داره الجديدة في الجميزة