عمّان| في 25 من الشهر الماضي خرجت إحدى أكبر التظاهرات في عمّان للمطالبة بالإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية... وقد فصل حاجز من ضباط الأمن بين المتظاهرين، وبين مسيرة لعشرات الأردنيين الذين نزلوا إلى الشارع لإعلان ولائهم للملك عبد الله. وطبعاً، وُجد يومها من حاول تسخيف التحركات المطلبية للشباب الأردني، فدعا مثلاً النائب يحيى السعود إلى «توزيع وجبات همبرغر وشاورما» عليهم.


في اليوم التالي للتحرّك، اختارت صحيفة «الرأي» الرسمية أن تخرج على قرائها بخبر رئيسي عنوانه «مسيرات كرنفالية تجدّد الولاء والانتماء للوطن والقائد»، إلى جانب خبر صغير في أسفل الصفحة حمل عنوان «مسيرات حاشدة تدعو إلى إصلاحات سياسية واقتصادية وحل البرلمان»! يومها، كان عمّال الصحيفة قد دخلوا ثاني أيام اعتصامهم الذي احتجّوا فيه على الأوضاع الماليّة، والظلم في تحديد الرواتب. وبلغت الشعارات حد اتهام بعض المسؤولين في المطبوعة بالفساد. بعد أيام يكون قد مرّ شهر على انطلاق هذا الاعتصام. وقد تحوّلت خيمة «الإصلاح والتغيير» التي نصبها عمّال الصحيفة أمام مبنى الجريدة في عمان إلى مغناطيس سياسيّ جذب نوّاباً ونقابيين، وسياسيّين، وإعلاميين، وحتى وزراء، خصوصاً بعدما زارها وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال، والناطق الرسمي باسم الحكومة طاهر العدوان، تعبيراً عن دعمهم لمطالب الصحافيين. لكن المفاجأة التي أخلّت بمعايير الاعتصامات العمّاليّة المتعارف عليها في الأردن، كانت المطالبة الصريحة بكفّ يد الأجهزة الأمنيّة عن التدخّل في سياسات الجريدة التحريريّة، وكفّ يد الدولة عن مختلف وسائل الإعلام. وبينما يلوّح المعتصمون بالإضراب العام عن العمل يوم السبت المقبل، بدأت فعلاً نتائج اعتصامهم تظهر إلى السطح من خلال أحداث لم يكن يتوقعها أحد، إذ استقال أخيراً رئيس مجلس الإدارة فهد الفانك من منصبه أثناء اجتماع له مع مساهمي الجريدة، مفضّلاً التنحّي على الإجابة عن أسئلتهم حول أرقام الموازنة، وبعض القضايا الإدارية والاختلالات التي تعانيها المؤسسة. ومع إعلان الفانك استقالته، بدأ تسريب أخبار مفادها أن منصب رئيس التحرير المسؤول الذي يشغله عبد الوهاب الزغيلات أصبح شاغراً. وعلى وقع هتافات ««الرأي» تريد تحرير التحرير»، لم يبقَ للزغيلات ـــــ وهو نقيب الصحافيين الحالي ـــــ إلا إعلان عدم ترشّحه لانتخابات النقابة القريبة. ولا يتوقّع كثيرون تعيين رئيس تحرير جديد، إذ تشير التسريبات إلى أن صاحب المنصب الجديد يخضع لشدّ وجذب من أجهزة الدولة المختلفة.




«التحرير» امتدّ إلى عمّان

بعدما كان يُشار إلى صحيفة «الرأي» الأردنية بوصفها نموذجاً للصحافة الرسميّة العربيّة الشموليّة، يبدو أن «ثورة» صحافيي هذه المطبوعة بدأت تثمر. هكذا بدأت تُقرأ في خيمة الاعتصام كل مساء المقالات التي لا تنشر في الجريدة، وبات الحوار حول الإصلاحات السياسيّة يشبه في جزء منه ما كان يجري في ميدان التحرير في القاهرة. لكن الرهان يبقى على إيصال الاعتصام إلى مرحلة الإضراب العام، وقتها فقط ستتحرّك الحكومة باتجاه حلّ جذريّ لا يستغفل الشعارات التي رفعت في الاعتصامات، ويبذل المسؤولون فيها جهداً لفهم أن «الرأي» لم تعد كما كانت في السابق.