«نحن في حالة استنفار... تغطيتنا ستتواصل في اليمن، تماماً كما كانت الحال خلال ثورتَي مصر وتونس» يقول أحد العاملين في غرفة «الأخبار» في «الجزيرة» رداً على قرار إقفال مكتب الفضائية في صنعاء، وسحب اعتمادات مراسليها. قرار السلطات اليمنية لم يفاجئ القناة القطرية. على العكس، رأى كثيرون أنه كان متوقعاً، تماماً كما حصل أيام الثورة المصرية. منذ بدء التظاهرات في الشارع اليمني، لم يتوقّف النظام عن ملاحقة مراسلي المحطة. هكذا أُبعد المراسلان أحمد زيدان، وعبد الحق صداح، ليطل مكانهما أحمد الشلفي، الذي سرعان ما تلقى تهديدات هاتفية بخطف أبنائه إذا استمرّ في تغطيته للثورة. وقتها، قال الشلفي إنّ «نظام علي عبد الله صالح يحاول الضغط على القناة، رغم أننا تلقينا تطمينات مسبّقة من هيئات رسمية بعدم عرقلة عملنا». وإثر هذا التصريح، عاد أحمد زيدان وعبد الحق صداح إلى ممارسة عملهما من دون أن توضح المحطة خلفيات «الصفقة» التي سمحت لمراسليها بمتابعة تغطيتهم في «اليمن الحزين».

أيام قليلة مضت، لتعود سياسة التضييق وتلاحق عمل الفضائية القطرية، فاعتُدي على مكتبها، وخُرّب عدد من تجهيزاتها. وأطل علينا مدير مكتبها سعيد ثابت ليعلن «إصرار المراسلين على الاستمرار في التغطية. التخريب قد يؤثر في رداءة الصورة، لكن لن يوقف عملنا». وبالفعل، استمر عمل المحطة، لكن بدت الصورة المعروضة سيئة نتيجة تخريب المعدات. أمام هذا «العناد»، صعّد النظام وتيرة مضايقته للعاملين في «الجزيرة» تزامناً مع ارتفاع التصعيد في الشارع. هكذا، دخلت «أيد خفية» مجدداً مكتب المحطة في عدن (جنوب اليمن)، وصادرت المعدات والتجهيزات، ليصدر بعدها قرار بسحب تراخيص المراسلين.
من جهته، لم يتردّد النظام اليمني في تبرير قراره بإقفال مكتب «الجزيرة». أطلّ نائب وزير الإعلام اليمني عبده محمد الجندي على مشاهدي القناة ضمن برنامج «حصاد اليوم» مثنياً على أداء الفضائية القطرية، وواصفاً إياها بالمحطة «الديموقراطية»، كما نفى في المقابلة نفسها أن يكون أي قرار بسحب اعتمادات المراسلين قد صدر! إلا أن الجندي لم يتأخّر في توجيه انتقاد «خجول» إلى «الجزيرة» التي «تحرّض على الثورات، كما أنّ مراسليها ليسوا محايدين».
مع ذلك، يؤكد مصدر من داخل المحطة لـ«الأخبار» أنّ السلطات اليمنية «تكذّب وتراوغ، فقرار الإقفال صدر فعلاً، ولا مجال للالتفاف على قرار سحب الاعتمادات من مراسلينا، لأنهم حالياً ممنوعون من العمل على الأرض». ويضيف: «مراسلونا ممنوعون من إرسال تقارير ميدانية أو الظهور مباشرةً على الهواء، لكنهم سيرسلون الصور من الميدان، لأنهم مواطنون يمنيون قبل أي شيء، ولا أحد يمكنه أن يمنعهم من التصوير، كما سنعتمد على المتعاونين معنا من الصحافيين والناشطين في الميدان، إلى جانب الأخبار والأشرطة الواردة على مواقع التواصل الاجتماعي ووكالات الأنباء».
مقابل هذا الإصرار على مواصلة التغطية في اليمن، تبرز أسئلة عدة عن تقاعس المحطة عن نقل حقيقة ما يجري في سوريا من مواجهات واحتجاجات. وتتعالى أصوات ساخطة من درعا (جنوب دمشق) بسبب تغطية القناة «السلبية» لتحرّكهم، وخصوصاً إذا ما قورنت بتغطية مصر، وتونس، واليمن، وليبيا...
وتأكيداً على ذلك، خرج أحد المحللين السوريين الموالين للنظام على شاشة «العربية» لينتقد القناة السعودية بداعي أنّها تضخّم واقع ما يجري على الأرض، ويؤكد أنّ المتظاهرين يطالبون بمراسل «العربية» في وقت يهدّدون فيه مراسل «الجزيرة» بالضرب! أما أحد المسؤولين في الفضائية القطرية، فيؤكد أن تغطية المحطة واحدة لكل الثورات «بل نحن نتعامل مع كل حدث وفقاً لحجمه. وقد نقلنا صور التظاهرات في درعا، تماماً كما فعلت باقي الفضائيات. وإذا تطورت الأمور فسنضاعف ساعات التغطية، تماماً كما نفعل حالياً في اليمن».
أما بعض الغاضبين من أداء «الجزيرة»، فيقولون إنّ هذه الأخيرة كانت مستعدّة للمخاطرة بحياة مراسليها، وأرسلت قسماً منهم إلى المناطق الغربية في ليبيا ـــــ معقل كتائب القذافي ـــــ مما أدّى إلى اعتقالهم، كما أن صحافييها يغطون الأحداث في الخطوط الأولى للمواجهة فيما تتغيّر مقاربتها الإعلامية عند الوصول إلى الشأن السوري. وقد برزت أسئلة من نوع: لماذا لا تبدي «الجزيرة» الحماسة نفسها في تغطية تحركات درعا؟ ولماذا يكتفي مدير مكتبها في دمشق عبد الحميد توفيق، بإعادة قراءة الأخبار المنتشرة على المواقع الإلكترونية، من دون أن يتجرأ على انتقاد نظام الأسد؟ ولماذا لا تستقبل المحطة اتصالات من سياسيين ومواطنين معارضين للنظام؟




bbc في الطليعة

في الوقت الحالي، يبدو أن قناة «بي. بي. سي. عربي» هي الأكثر قبولاً بين المشاهدين العرب، بعدما نالت كل من «الجزيرة» و«العربية» نصيبهما من الانتقادات. وتميزت المحطة بتغطية مميزة لأحداث درعا، تماماً كما فعلت في الأيام الأولى لبوادر الثورة في المملكة العربية السعودية، لكن يبدو أن قلة عدد مراسليها ميدانياً، وابتعادها عما يسميه بعضهم «الإثارة» التي تقوم بهما الفضائيتَان القطرية والسعودية جعلاها مجرد قناة ناقلة للأخبار بلغة «باردة» رغم سخونة الأحداث ميدانياً. وهو ما يهدد القناة البريطانية بفقدان بريقها قريباً رغم تفوقها الزمني في نشر الصور الأخبار التي غالباً ما تكون دقيقة وصحيحة.