بين انكسارات تشبه وجه الشمس في كانون، وبهجة الأعياد في الطفولة، يتنقل عبد الحكيم قطيفان راوياً لنا سيرته. لم تمنعه زحمة مواعيده من تكريس وقت لنا. لكنّه تأخر عن اللقاء قليلاً، بسبب جلسة تحضيرية لدوره في مسلسل «في حضرة الغياب» الذي يعدّه المخرج السوري نجدت أنزور عن سيرة الشاعر الراحل محمود درويش. يخبرنا وهو يتنقل بين النوافذ الإفتراضية على شاشة كمبيوتره، أنّ التكنولوجيا تغلبه وتسبقه بأشواط... «لكنني ما زلت أحاول اللحاق بالركب».

يأخذنا الحديث إلى مدينة درعا على سفوح سهل حوران، حيث تمتد ذكريات طفولته، وسط عائلة من ستة أبناء، وثلاث بنات. (درعا المكتوية هذه الأيّام بنيران الراهن الحارقة...). في تلك العائلة القروية البسيطة، كان الأب يضع قوانين صارمة، في حين كانت الأم نبع الحنان، في معادلة تقليدية متوازنة. قسوة الأب كانت تتحول إلى مشاعر فخر واعتزاز بأولاده عندما يحقّقون إنجازاً ما. صورة تبقى حاضرة في ذهن الممثل السوري حتى الآن، إلى جانب مشاغبته الدائمة التي كانت تغلب جدية والده أحياناً، وتجبره على الضحك.
كان يهوى تقليد الآخرين، ويحب التقاط شخصيات وطبائع المارة في الشارع. لكنّه لم يحلم في يوم من الأيام بأن يصير فناناً. كان معجباً بمكانة الأطباء الاجتماعية، لهذا كتب بالخط العريض على جدران غرفته كل الاختصاصات الطبية التي كان يريد اتقانها: «اختصاصي أمراض داخلية، نسائية، قلبية...». كما أظهر ميلاً للعلوم العسكرية، فدرس الرمي وأجاده، إلى درجة صار لقبه بين الأصدقاء «العقيد».
في كنف عائلته المحافظة، واظب على حضور صلاة الصبح في المسجد، لكنّ ذلك لم يثنه عن الإصغاء إلى صوت قوي كان يصدح في أعماقه، ويحثّه على التوجه إلى طريق الفنّ. توضحت معالم هذه الرغبة الدفينة لدى عبد الحكيم منذ أصبح مراهقاً. صار يغافل أهله، ويذهب إلى السينما، بحجة الدراسة عند صديق. كما حوّل لقاءاته مع الرفاق إلى وقت لكتابة التمثيليات الإذاعية، وتسجيلها على جهاز تسجيل صوتي قديم.
بعد الشهادة الثانوية، لمح خيبة أمل كبيرة في عيني والده، حين أخبره أنّه سيتوجّه إلى مصر لدراسة الإخراج السينمائي. «لجم غضبه حينها، وسألني إنْ كنت سأبحث عن مستقبل قوامه ربابة وفرقة طرب شعبية، تجول في البيادر لتؤنس سهرات الفلاحين، أم أنّني سأعود لأغنّي في الكورس خلف سميرة توفيق؟». رغم رفض العائلة، أصرّ عبد الحكيم على قراره، وودّع والده فجر يوم شتوي ماطر. لكنّه غادر مسكوناً برغبة غامضة في تمزيق بطاقة الطائرة، والعودة جرياً نحو والده الذي تركه متعثِّراً بدموعه ودعواته بالهداية والتوفيق...
لم تكتمل الرحلة إلى أرض الكنانة. بعد زيارة أنور السادات إلى «إسرائيل» عام 1977، عاد قطيفان مع أصدقائه إلى سوريا بقرار سياسي. في بلده الأم، اختار الإنتساب إلى «المعهد العالي للفنون المسرحية». هناك التقى بالفنان أسعد فضة والمخرج الراحل فواز الساجر الذي استغرب لهجته المصرية. «لو كنت مكانه، وجاءني طالب يتكلّم اللهجة المصرية ظناً منه أنها ميزة، لرفضت قبوله فوراً». ما زال طيف المسرحي السوري الكبير يرافق قطيفان حتى الآن. فقد كان له الفضل في حثّه على المطالعة، وكان هو من أورثه شغفاً نادراً بالكتاب. إلى جانب الساجر، يتذكّر من بين أساتذته الموسيقار الراحل صلحي الوادي.
في المعهد، بدت الطريق معبّدة نحو اهتمامات من نوع أوسع. علاقته الوثيقة بأخيه الأكبر، جعلته يصاب بحمى السياسة. حفر ماركس عميقاً في فكره، وسيطرت عليه فكرة أن يصير شيوعياً، ويناضل من أجل قضايا الفقراء. هكذا، انخرط داخل المعهد وخارجه في العمل السياسي والتنظيم الحزبي، خلال مرحلة حساسة من تاريخ سوريا الحديث، تضافرت فيها الظروف لتتيح التعدُّد السياسي.
لكن النتيجة جاءت مخيبة بعد مرور أقل من عام على تخرجه، حين وقع الممثل الصاعد في قبضة الأمن. دخل المعتقل مع مجموعة من رفاقه، وبقي فيه تسع سنوات كاملة، يقاسي التعذيب والاضطهاد. سنوات السجن تلك كان من المفترض أن تكون أكثر سنوات عطائه غزارةً. «دخلنا السجن، ولم نعد نعرف متى سنرى الشمس. لكننا طوّعنا كل التفاصيل لصالح تعاملنا الصحيح مع الظرف القاسي».
لم يعد قطيفان شيوعياً اليوم. صار يعتبر نفسه علمانياً. رفاق دربه وأصدقاء سجنه القدامى يلومونه على كثرة انشغالاته، ويعدّونه غريباً عنهم. لكنهم يلتقون في بعض الاجتماعات الاستثنائية. «عند اجتياح لبنان عام 1982، كنا نقبع في مخيم في منطقة عمريت (طرطوس)، مع مجموعة من رفاق الحزب. عدنا منذ فترة لنلتقي في قرية الملاجة ــــ قرية الشاعر محمد عمران ــــ ونتبادل كؤوس العرق وأوراق الملفوف كما كنّا نفعل منذ عشرات السنين».
بعد خروجه من السجن استطاع قطيفان أن يجد لنفسه فرصاً حقيقية في ميدان الدراما. امتدت له يد المخرج سالم الكردي في وقت كان أحوج ما يكون فيه ليد تسانده. منحه الكردي بطولة ثلاثية بدوية إلى جانب مرح جبر، ثم لعب دوراً رئيسياً في المسلسل البوليسي «جريمة في الذاكرة» الذي أطلق شهرته، وجعله يفرض نفسه بقوة على الساحة الفنية، كواحد من نجوم الدراما السورية.
لكنّ «المسألة لم تكن سهلة. عانيت الكثير، وتمنيت طويلاً لو أتمكن من العودة إلى الزنزانة التي اعتدتها». هنا يتذكر بألم، أن الأيادي البيضاء التي امتدت إليه لم تكن من بين زملائه في الوسط الفني، أو من أبناء دفعته الذي صاروا على رأس مؤسسات إنتاجية، بل جاءت على العكس من أشخاص لم يتوقّعهم على الإطلاق. توالت نجاحات قطيفان، وبدأت شهرته تتوسّع، خصوصاً بعد شخصية جابر في مسلسل «الطير»، ودور عدنان المالكي في «حمام القيشاني»، وصولاً إلى أدائه لدور سلطان باشا الأطرش في «أخوة التراب»، وأخيراً دوره المميز في «ما ملكت أيمانكم».
إلى جانب نجاحاته المهنية، استطاع بناء أسرة متماسكة، وإنجاب طفلين. «إنّهما الفرحة الحقيقة الوحيدة في حياتي، ولا أستطيع حبس دموعي كلما فكّرت أنّهما يكبران هكذا أمام ناظري». حين التقيناه، كان قد أنهى تصوير دوره في مسلسل «المنعطف» مع المخرج عبد الغني بلاط، حيث يجسد شخصية رجل فاسد. وهو يستعدّ حالياً لأداء دور المؤرخ الفلسطيني إميل توما في مسلسل «في حضرة الغياب» الذي يروي سيرة محمود درويش مع المخرج نجدت أنزور، كما يستعد لبدء تصوير دوره مع المخرج أحمد إبراهيم أحمد في مسلسل «سوق الورق».
يمر الوقت مسرعاً برفقة هذا الرجل. يخبرنا عن سعادته بأخبار الربيع العربي، ومشاهد الشباب الثائر من تونس إلى مصر وليبيا والبحرين. «فرحتي كبيرة ودهشتي تفوق تلك الدهشة التي أصابتني عند انهيار الاتحاد السوفياتي»، يقول. يسر إلينا أخيراً بحلم يراوده منذ زمن، وهو مشروع درامي ضخم، يحكي عن أعلام النهضة. يرافقنا إلى باب المقهى ليودعنا، لنتركه بين معجبين تهافتوا عليه، لالتقاط صور تذكارية.




5 تواريخ

1952
الولادة في درعا (سوريا)

1978
انتسب إلى «المعهد العالي للفنون المسرحية»

1983
اعتقل على خلفية انخراطه في العمل السياسي، وبقي في السجن تسع سنوات

1994
مسلسل «جريمة في الذاكرة» أطلق نجوميته وأعاده إلى الساحة الفنية

2011
يؤدي دور البطولة في مسلسل «سوق الورق» لأحمد ابراهيم أحمد، ويجسد دور المؤرخ الفلسطيني إميل توما في مسلسل «في حضرة الغياب» لنجدت أنزور