أوديب في وحول الحرب الأهلية اللبنانية، يغتصب والدته مراراً وتكراراً حتى تحمل منه. إنّها التراجيديا الإغريقيّة في نسخة معاصرة، تليق بجنون حرب اختلطت فيها الدماء، وتماهى فيها الجلاد مع الضحية. المخرج الكندي دوني فيلنوف نقل إلى الشاشة الكبيرة مسرحيّة «حرائق» التي يسقط فيها وجدي معوّض الأسطورة القديمة على الحرب الأهلية اللبنانية. أخذ نص الكاتب الكندي/ اللبناني المقيم في كيبيك، ونزع الأسماء عن الأحداث والأشخاص «هرباً من الألغام التاريخية» كما قال، لكن أيضاً لأنّ معوّض أراد عمله تراجيديا عالمية تصلح لكلّ زمان ومكان. والنتيجة عمل هجين يضع قدماً في التاريخ، وأخرى خارجه.

نشاهد محطّات تاريخية تحيل على فصول أساسية في الحرب الأهلية اللبنانية، مثل حادثة بوسطة عين الرمانة، بينما المسيحية نوال مروان تتكلّم باللهجة الفلسطينية! وفي المحصلة، لن يشعر اللبنانيون بأنّهم أمام جزء أساسي من تاريخهم وذاكرتهم. بين وسيط وآخر، يقوم فيلم «حرائق» على مجاز بصري يخرج من الخشبة إلى الشاشة ليلتقط الحرب ــــ وتحديداً الأهلية ــــ ويُطبق على بشاعتها عبر سرد مصوغ وفق «فلاش باك» طويل يبني الفيلم رهانه عليه.
الفيلم صالح للمقاربة على مستويين: الأول باعتباره سرداً بصرياً خاصاً يأخذنا من اللقطة الأولى نحو عوالمه بعيداً عن إيجاد ما يوازيه تاريخياً، وتحديداً في الإطار اللبناني. وهنا، نجد أننا أمام عمل مصوغ بحنكة سينمائية خاصة، وأمام ميلودراما قادرة على تقديم هجائية للحرب الأهلية أيّ حرب كانت. أما المقاربة الثانية فهي التي تتعلّق بالحرب الأهلية اللبنانية تحديداً، مع أن الشريط الذي صوِّرت بعض مشاهده في الأردن يقول لنا إنّه معني بالحروب شرق أوسطياً لا لبنانياً. ورغم تصوير بعض مشاهده في الأردن وتحدّث أبطاله باللهجتين الأردنية والفلسطينية، كلّ شيء في العمل يشير إلى لبنان... مع تقديم الأحداث التاريخية وفق منطق الفيلم نفسه، مثل «تفجير» بوسطة «عين الرمانة»، أو مضيّ نوال مروان (الممثلة المغربية البلجيكية لبنى الزبال) إلى ما يذكّر بسهى بشارة عندما أقدمت على محاولة اغتيال أنطوان لحد عام 1989.
المشاهد العربي سيقع في التباسات كثيرة في هذا الشريط الذي يطمح إلى الابتعاد عن الوقائع والتوثيق ــــ لكنّ أدران الواقع الأصلي تبقى عالقة فيها ــــ والتركيز على المعنى العام للحرب الأهلية في الشرق الأوسط (قتل المسيحيين للمسلمين والعكس أيضاً)، في قالب اختزالي وتبسيطي تضيع فيه الفروق بين خطاب الجلاد وخطاب الضحيّة. وتتعقّد المسائل أكثر حين يضاف بُعد آخر إلى النزاع الطائفي اللبناني، من خلال اللاجئين الفلسطينيين الذين تقتلهم ميليشيات اليمين المسيحي.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: كيف لنا ألا نفكّر في لبنان؟ وإن أراد لنا الفيلم أن نتعامل معه بوصفه عملاً خيالياً صرفاً، أما كانت هناك طرق أخرى لتقديم ما أراد تقديمه بوصفه فيلماً يجنح إلى الخيال، والعبرة في النهاية؟ ثم لماذا يتّكئ نصف العمل على الواقعي ونصفه الآخر على الخيالي؟
تبدأ القصّة من كندا، مع موت نوال مروان التي توصي ابنها وابنتها التوأمين، وهما كنديّان، أن يعثرا على والدهما وأخيهما في البلد الشرق أوسطي الذي جاءت هي منه، واسمه «فؤاد». وسيكون الفيلم استعادة لتاريخ هذه الأم المسيحية التي تتعرض لشتى أنواع القهر والتعذيب، بدءاً من إقدام إخوتها على قتل حبيبها «اللاجئ» المسلم الذي تكون حاملاً منه، ثم وضع ابنها في دار للأيتام يجتاحه المسلمون فيأخذون أطفال الميتم... حتّى سجنها وتعذيبها واغتصابها في معتقل يوحي بـ«أنصار»، بعد إقدامها على قتل قائد ميليشيا مسيحية... إلى أن يكتشف الولدان الحقيقة: والدهما في الحقيقة هو أخوهما المفقود الذي لم يكن يعرف ضحيّته.
يصلح توصيف «حرائق» بالميلودراما الحربية. ميلودراما تستقدم الحرب بوصفها عكازاً لها. ورغم المآخذ الكثيرة على الشريط، إلا أنّ ما أنقذه هو سيناريو متقشّف، وشاعرية في الصور مع تقديم مشاهد قاسية تظهر مدى بشاعة الحرب الأهلية. لن ننسى مثلاً المشهد الذي تخبّئ فيه نوال مروان صليبها للذهاب إلى المنطقة المسلمة بحثاً عن طفلها. لكنّ الميليشيا المسيحية تعترض الحافلة، ويبدأ عناصرها بقنص الركّاب. هنا، ترفع نوال صليبها وتجاهر بأنّها مسيحية، فيعفو عنها المقاتلون، فيما يرتكبون مجزرة «على الهوية» بحق ركاب «البوسطة» الآخرين. تنزل نوال من الحافلة مع طفلة مسلمة تدّعي بأنّها ابنتها، لكنّ الصغيرة تعود راكضة صوب أمّها في الحافلة التي تحترق، فيأتي رصاص الميليشيا ليرديها أرضاً. في قلب الصحراء، تجلس نوال وحدها، تنظر إلى الحافلة المحترقة بدخانها الذي يتصاعد إلى السماء... صورة أراد لها دوني فيلنوف أن تختزل بلداً ابتلعته نيران الطائفية.

«حرائق»: غراند سينما ABC ا (01/209109)، بلانيت أبراج (01/292192)، سينما صوفيل (01/204080)