دمشق | عشية انطلاق الثورة المصرية، وقف نجوم الدراما السورية على الحياد، مفضّلين «عدم التدخل في شؤون مصر الداخلية». ومع وصول الحركة الاحتجاجية إلى سوريا، التزم معظم الفنانين الصمت إلى أن توضحت الصورة شبه النهائية.

هكذا، صدر أول من أمس بيان بعنوان «تحت سقف الوطن» يحمل تواقيع عدد من النجوم، بينهم دريد لحام، وجمال سليمان، وبسام كوسا، ورشيد عساف، وباسم ياخور، وباسل خياط، وأمل عرفة، وأيمن زيدان، والليث حجو، ونضال سيجري، وسلافة معمار، ويارا صبري. وقد وجّه الموقعون تعازيهم إلى أسر الضحايا الذين سقطوا نتيجة المواجهات في مختلف المحافظات السورية، مطالبين بإعلان الحداد الوطني ثلاثة أيام،

و«محاسبة كل من تسبّب بإراقة تلك الدماء الغالية، وكشف الملابسات التي أدت إلى هذه الاضطرابات». وأيّد الفنانون المطالب الشعبية التي نادى بها المتظاهرون، معارضين كل أشكال التجييش «الذي من شأنه أخذ البلاد إلى الفوضى». كذلك أعرب الموقّعون عن تفاؤلهم بالخطوات التي اتخذتها القيادة السياسية باتجاه الإصلاح.
لكن لماذا تأخّر صدور موقف عن الفنانين؟ يقول جمال سليمان لـ«الأخبار» إن الموقّعين لم يريدوا «القفز إلى المجهول... وكان لا بد من الانتظار كي نتمكّن من تحليل ما يحدث، وخصوصاً أننا أمام مشهدَين: الأول لمتظاهرين خرجوا بمطالب مشروعة وصحية، والثاني مرتبط بالتجييش والنزاعات الطائفية». ويضيف: «أنا مع أي تظاهرة سلمية من دون غايات طائفية، وهدفنا كفنانين توحيد الصفوف لتحقيق رحلة الإصلاح التي تحتاج إليها سوريا، ثم الوقوف ضد أيّ تدخل أجنبي أو أجندة مذهبية». سليمان الذي طالب سابقاً بإلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تفرض «حزب البعث» حاكماً للدولة، رفض وصف الفنانين السوريّين بالمحابين للنظام، مؤكّداً أن نجوم الدراما «ليسوا كتلة متجانسة، بل يعبّرون عن أطياف متعددة». ولا ينسى الإشارة إلى أن المسلسلات السورية انتقدت سابقاً «التشدد الأمني، والانفلات القانوني، وغياب التوزيع العادل لثروات البلاد...».
من جهته، يؤكّد أيمن زيدان شرعية المطالب التي رفعها المتظاهرون «لكن لدي تحفّظ على الوسائل المستخدمة لإيصال الصوت. هناك من يستغل التظاهرات ويسير بها إلى أعمال شغب واعتداء على الممتلكات العامة. يجب أن نقف بحزم ضد كل أشكال التخريب، والطائفية». وعن تأخّر الفنانين السوريين في التعبير عن موقفهم من الأحداث الأخيرة، يقول النجم السوري «نحاول تنظيم أنفسنا في بيان نطرح فيه آراءنا ونؤثر من خلاله في من هم حولنا، ونوصل وجهات نظرنا، كما أننا نخوض نقاشات على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، فالفضائيات ليست السبيل الوحيد للتعبير عن موقفنا». ويلفت زيدان إلى أنّ القيادة السياسية اعترفت بشرعية المطالب المرفوعة، لذلك سارعت إلى تنفيذها «على نحو لم نعتده في سوريا وبإيقاع مختلف».
وفي السياق نفسه، يعبّر بسام كوسا عن تفاؤله بما حصل، ويقول «الأمور تسير في الاتجاه الإيجابي لكنّنا مدعوون إلى التأني والحكمة في التعاطي مع الأحداث والابتعاد عن ردود الفعل المتسرعة... الجميع مسؤول عما يحدث ومُطالب بإعادة حساباته وهذا ليس مخجلاً، لكن المهم يبقى الابتعاد عن عمليات الحرق والهدم». ويشير كوسا إلى الخطوات التي اتخذها النظام لتدارك الأوضاع «الأمور تتطور تطوّراً لافتاً والبلاد تأخذ جزءاً من حقوقها، والشعب السوري صنع إنجازاً تاريخياً عظيماً». وعكس الآراء المطروحة سابقاً، يرى الكاتب والسيناريست نجيب نصير أن النخب مطالبة بموقف واضح. لكنه يضيف إنّ ذلك صعب لأن هذه النخب نفسها كانت مرجومة بالحجارة خلال عشرات السنين الماضية، إذ كان الشارع يعدّها جماعة بيانات لا تنتج سوى الكلام... كذلك كانت السلطة تزدري المثقفين ولا تأخذ برأيهم. هنا يذكّر نصير ببيان أصدره المثقفون السوريون منذ سنوات طالب بالإصلاحات نفسها التي بدأت السلطة باتخاذها أخيراً... ويرفض السيناريست الشهير مقارنة ما حصل في مصر بما يحصل في سوريا. يقول «الأحداث هنا هي مجموعة حراك شعبي وحراك للسلطة في الوقت ذاته».
أما الممثلة والمنتجة لورا أبو أسعد، فأصدرت بياناً مستقلاً تميّز باللغة العاطفية، وبدا كأنه صادر عن إحدى المؤسسات الرسمية بسبب تبنّيه وجهة نظر السلطة السورية على نحو كامل.
إذاً نجوم الدراما السورية اختاروا أن يقولوا كلمتهم متأخرين، عملاً بمبدأ أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل أبداً، لكن حتى الساعة، يبدو أن أياً منهم لم يتمتّع بالجرأة الكافية للحديث عن أسباب هذه التظاهرات، وعن التراكمات التي تحمّلها الشعب السوري طيلة عقود من الزمن.




طيف الأجهزة الأمنية

لم يتردّد تلفزيون «الدنيا» السوري (يطلق عليه المتظاهرون تسمية «بوق السلطة») ومعه المحطات الرسمية في تشويه صورة الاحتجاجات الشعبية. هكذا تابعنا هذه القنوات وهي تتحدّث عن «مؤامرات خارجية»، ووجود «مندسّين وغرباء». كذلك استضافت هذه المحطات عبر الهاتف مجموعة من الممثلات السوريات اللواتي أتحفن المشاهد بتحليلاتهن السياسية. حصل ذلك في وقت تجاهلت فيه هذه المحطات وضيوفها الحديث عن أسباب هذه التحركات الشعبية. يُذكر أن قسماً من الكتّاب السوريين رفضوا التعبير عن موقفهم من الأحداث الأخيرة تحسباً ربما لمساءلة الجهات الأمنية!