لا تقدّم لوحة التشكيلي مهند عرابي (1977) موقفاً محدداً، فهي تخفي أكثر مما تبدي. التمترُس خلف الطفولة ليس نتيجة، أو خلاصة يمكن الاستسلام لها، بل هي إشارات لا تزال مبهمة، يرسلها عرابي من خلال لوحات ساكنة ... ومثيرة للقلق في آن. لا بدّ من أن تثير هذه اللعبة الصامتة الحيرة عند متلقّيها. التلقائية والبساطة في إنجاز أعمال عرابي، يصعب تلقيها بردة فعل مماثلة. ثمة ملمح جنيني في هيئة الشخوص (المشرنقين) ... جنينية تحكم مفاصل مشروع لا يخلو من نزعة اختبارية.


الانطباعات الحميمة الأولى التي تتركها لوحات هذا الفنان الشاب، سرعان ما تنقلب إلى نقيض محيّر. هذه ليست طفولة خالصة، ولا هي مجرّد حالة ارتداد نقيّ إلى زمن ما. ثمّة ما هو أكثر من ذلك بين هذه الوجوه الدائرية المتشابهة، واختلاط الأدوار بين الذكر والأنثى، وتلك الأفراح الذابلة التي تعكسها مشهدياتها الجماعية. من هنا، لا بدّ من أن يقودنا تعقب أعمال عرابي إلى الطفولة، ونتائج مضلّلة، تؤطّر لوحة هذا الفنان الشاب في شكل بصري يقدم إشارات أولى لنتائج مشروع متفرّد، في طريقه إلى التبلور. لعبة عرابي الصامتة خلف تلك الوجوه الخجولة المائلة إلى الأسفل، تضعنا في مواجهة الكثير من الكلام والمواجع المستترة، خلف تعبيريته المؤلمة.
قد تكون الطفولة في أعمال عرابي مرادفةً لعفوية إنجاز اللوحة من حيث البساطة والتلقائية والتراكيب المختلطة. لكنّها في الوقت ذاته تمثّل ناظماً لتيمة متكرِّرة يجدر البحث خلفها. المتابع لأعمال هذا الفنان سيلاحظ تراجعاً ملموساً في أدوات الطفولة (الأراجيح، القوارب الورقية)، لمصلحة مشهديات فيها تركيز على العلاقة العائلية نفسها، وإبراز شخصيات محدّدة مجهولة بالنسبة إلينا. الحراك الذي كان خارجياً على صعيد اللون والانفعالات الجسمانية تحوّل إلى تعبيرات داخلية أكثر عمقاً. انتظمت الألوان على الأجساد لتزيين ملابس مفرحة، يمكننا من خلالها التقاط الزمن الآتية منه. تبدو الصورة الآن أكثر انتقائية ووضوحاً. ثمة تضخيم لحالة الفقد، بعد تفعيل اللوحة بناظم درامي، وشخصية محورية يمكن تتبعها من لوحة إلى أخرى.
في «كل شيء عن ساما»، معرضه البيروتي الذي تستضيفه حالياً «غاليري أيام»، يواصل الفنان الشاب بناء مشهدياته التي يصعب اقتفاء مرجعياتها بصورة جليّة في المحترف المحلي، وخصوصاً لناحية تركيبة الوجوه والتكوين العام للملامح التي لا تزال تحافظ على ذلك النفي السيكولوجي للفروقات الجنسية بين الذكر والأنثى، باستثناء تلوين تلك الأفواه الصغيرة، والوردة الحمراء التي تزين الشعر بين الحين والآخر. في لوحة «بورتريه شخصي» (مواد مختلفة على كانفاس ــــ 130 × 150 سنتم) لا يبدو الرجل الذي يحمل الطفلة ذكراً بمعناه التقليدي، حتى وإن كان يرتدي بذلة رجالية. الذكورة هنا تأخذ بعداً جدلياً آخر. الرجل ـــــ المرأة أو العكس. وحتى في اللوحة التي تأخذ عنواناً محدداً لجنوسيتها مثل «أربع فتيات وصبي» (مواد مختلفة على كانفاس ـــــ 180×360 سنتم) يظلّ الأمر محيراً. لا يبدو الفنان وفق هذا المنظور معنياً بالمعنى الاجتماعي التقليدي للذكورة. ثمّة ارتحال بحثي واضح عن نتائج عاطفية، في بيئة غالباً ما يكون وجود الذكر فيها مقترناً بالقسوة، والصلابة التي تخفي خلفها تراكمات مهولة من الضعف والمخاوف.
ينجز مهند لوحته بتلقائية شديدة. الصنعة في أعماله تتمحور في الفكرة والشكل العام، لا في بنية اللوحة وتقنياتها الداخلية. ثمة استخدام محدد للون. الخلفية التي تأخذ في الغالب بعداً لونياً ثابتاً، تترك المجال لبروز الأشكال التي ينجزها بخطوط قوية وثابتة، قبل أن يقوم بخلخلة بنيتها الخارجية بخطوط وهالات، مستخدماً طريقة الكشط أو الشطب الارتجالي الجارح للسطح. هذا ما يخلق فضاء مشوشاً، يلقي بغلالة ناعمة على المشهد، ويؤسس لقلق مكبوت يصعب تلمّس مصدره وسط صياغاته العاطفية المتوارية. لا تخلو اللوحة هنا من اتكاءات هندسية بسيطة، مع أنصاف الدائرة والخطوط المستقيمة الناظمة للجسد البشري. في «بورتريه شخصي» (مواد مختلفة على كانفاس ـــــ 130 × 150 سنتم)، تبدو لعبة أنصاف الدوائر التي تصنع الشكل العام، وتخلق بنية متداخلة. ثمّة خلفية حمراء تتخللها نصف دائرة سوداء تشكل الأرضية لطفلين ملائكيّيْن بالأبيض غير النظيف، مع الاحتفاظ بالخصوصية المتكررة لمعالجة الوجوه والعيون السوداء.
إن مهند عرابي يجيد ما يفعل. لوحته جديدة وبارزة بين أبناء جيله من التشكيليّين الشباب في سوريا. قد يجد بعض المشاهدين أن الشخصنة متكرّرة في أعماله التي يغلب عليها عنوان «بورتريه شخصي» ... إلا أنّ هذا الشخصي قابل للتعميم، لتصير اللوحة مرآةً لظرف مجتمعي عام. الفردية هنا ليست تمييعاً لدورٍ ما، تقوم به اللوحة في الحياة، بل محاولة لتقديم تعرية لهموم ذاتية يمكن أن تتقاطع مع الآخر أو تصطدم به.
«كل شيء عن ساما»: حتى 30 نيسان (أبريل) المقبل ـــــ «غاليري أيام» (بيروت). للاستعلام: 70/535301
www.ayyamgallery.com