القاهرة | على غرار تجربة موقع «الدستور الأصلي» الذي أطلقه صحافيو جريدة «الدستور» المصرية بعد أزمتهم الشهيرة بهدف تمييز تجربتهم عن الجريدة التي لم تعد ملكاً لهم، فكّر العاملون في صحيفة «أخبار الأدب» في إطلاق موقع «أخبار الأدب الأصلي»، إذ إنّ جريدتهم تواجه حالياً أكبر أزماتها منذ تأسيسها قبل 18 عاماً. غير أنّ الأخبار الواردة من «شارع الصحافة» في وسط القاهرة، تفيد أنّ الصحافيين المضربين عن العمل، قرروا التريّث في إطلاق الموقع الجديد. ورغم أن «ثورة 25 يناير» أطاحت قبل أيام معظم الرموز الصحافية الناطقة بلسان النظام المخلوع، أبقت استثناءات قليلة بعضهم في أماكنهم، استثناءات من أبرزها رئيس تحرير «أخبار الأدب» مصطفى عبد الله، الذي خلف المؤسس جمال الغيطاني

، وأبقاه العهد الجديد في مكانه حتى الآن، رغم أن جميع الصحافيين في الجريدة الأسبوعية ـــــ وهم 13 صحافياً ـــــ وقّعوا بياناً يطالب بإقالته.
نسبة الرفض هذه (أي مئة في المئة) لم تشهدها أي مؤسسة أخرى، لكنها لم تفلح في إطاحة عبد الله. هكذا، وجد الصحافيون أنفسهم في موقف قد يجابِهون من خلاله القانون الجديد المرتقب صدوره عن مجلس الوزراء، وهو القانون الذي يعاقب بالسجن والغرامة «الاعتصامات التي تعطّل سير العمل في ظل حالة الطوارئ». قد لا يكون الأمر بهذه الخطورة، لكن واقع أن الصحافيين جميعاً يوقّعون يومياً في دفاتر الحضور والانصراف ثم يمتنعون عن العمل، لم يدفع رئيس تحريرهم إلى الاستجابة لمطالبهم وإزاحة نفسه، ربما لأنه لم يتسلّم عمله سوى قبل أيام قليلة من «ثورة يناير». وقد جاء من المؤسسة نفسها (أي «أخبار اليوم») التي عمل فيها سنوات طويلة محرراً أدبياً، لكنه يبقى من خارج طاقم الجريدة الأدبية الأسبوعية الوحيدة في مصر، فضلاً عن أنه لم يلق قبول المحررين.
في البيان الذي طالب فيه العاملون بإقالته، ذكروا أنه «خلط بين السياسة التحريرية والإعلانية، وقد طلب من الزملاء علناً في آخر اجتماع للجريدة العمل في الإعلانات ما يتعارض مع أخلاقيات العمل الصحافي». والمدهش أن عبد الله لم ينف هذا الاتهام، بل أكده في حوار مع «وكالة أنباء الشعر العربي». إذ أعلن «ما قلته أنه من حقنا على وزارة الثقافة، ونحن الجريدة المعنية بالشأن الثقافي، أن توجه إلينا عدداً من إعلاناتها... وقلت نكلّم الوزير في الموضوع. حتى إنّ أحد المحررين قال: نحن نهاجمه. فكان ردي أن هذا لا يمنع، فالإعلان شيء والعمل الصحافي شيء آخر، كما اتصلت بأصدقائي من القائمين على الجوائز العربية وقلت لهم أن يضعوا الجريدة في حساباتهم من الإعلانات، وبالفعل كان إعلان لجائزة البابطين»!
المفارقة هنا أن «اعتراف» عبد الله يكاد يحوي قدراً من حسن النية، لكنه يفصح أيضاً عما أصاب الصحافة الحكومية من خلل المعايير وتشوش القواعد المهنية، يندرج في السياق نفسه، كون رئيس التحرير يعمل مستشاراً لإحدى هيئات وزارة الثقافة مقابل أجر. مما يضعه في سياق تضارب المصالح، بين الوزارة المعنية بالشأن الثقافي والجريدة التي تضطلع بالدور الرقابي الأهم في مواجهتها. وقد خاضت «أخبار الأدب» عدداً من المعارك منذ تأسيسها، لكن مواجهتها لسلبيات وزارة الثقافة ظلت المعركة الأكثر امتداداً وسخونة. معركة قد تحسم لمصلحة وزارة الثقافة حتى لو كان «الإعلان شيئاً وعمل الصحافي شيئاً آخر»، لكن الواقع لا يتوقف عن تقديم الجديد المربك. وزير الثقافة الجديد عماد أبو غازي يحظى بقبول قطاع كبير من المثقفين، وهو بدأ يمارس نقداً ذاتياً أكبر بكثير من «أخبار الأدب» في عهد عبد الله!
لكل ما سبق، أضرب صحافيو الجريدة عن العمل، ثم قرّروا تأجيل إطلاق موقعهم الإلكتروني المستقل «خوفاً من أن ذلك قد يجمّد الأمور على ما هي عليه»، فيصبح هناك موقعان وجريدتان. هكذا رأى الصحافيون أن عليهم بذل الجهد الأقصى تمسكاً بمطبوعتهم التي تنحدر في رأيهم، وحفاظاً على مشروعهم الذي لطالما اشتد بشأنه الجدل لكنه ظل حصناً تنويرياً في كل معارك الثقافة المصرية خلال العقدين الأخيرين. وكان هؤلاء قد انتخبوا الزميل محمد شعير رئيساً للتحرير. ولأن مسألة اختيار منصب رئيس التحرير بالانتخاب لا تزال موضع جدل ـــــ إذ يرى بعضهم أنها تتعلق بالكفاءة لا بالشعبية ـــــ فقد اقترحوا إلى جانب شعير المنتخب اسماً آخر هو عبلة الرويني. علماً بأنّ الكاتبة المعروفة هي أيضاً ابنة مؤسسة «أخبار اليوم»، وأشرفت خلال العامين الأخيرين على صفحة أدبية أسبوعية ناجحة في جريدة «الأخبار» اليومية. وقدّم الصحافيون الاسمين إلى المجلس العسكري الحاكم في مصر، لكن تغييرات الصحافة لم تمر بعد على الطابق الثالث من مبنى المؤسسة حيث مقر «أخبار الأدب».




اعتصام... حتى التغيير

يبدو أن قرار تغيير مسؤولي الصحف القومية في مصر لم يُرض كل الصحافيين، إذ إن مؤسسات عدة لم يشملها التغيير. إلى جانب «أخبار الأدب» (الصادرة عن «أخبار اليوم») التي بقي مصطفى عبد الله في رئاسة تحريرها، احتفظ رئيس تحرير مجلة «المصور» (دار «الهلال») حمدي رزق بمنصبه، مستفزاً بذلك معظم العاملين في المجلة. وقد هدد هؤلاء باعتصام مفتوح إن لم تشمل مؤسستهم التغييرات الأخيرة. الأمر نفسه ينطبق على «أخبار النجوم» التي ترأس تحريرها آمال عثمان. ويبدو أن العالمين في هذه المؤسسات يتجهون إلى التصعيد، إذا جرى تجاهل مطالبهم بتغيير مسؤولي المطبوعات التي يعملون فيها.