فيلمه الجديد قد يكون آخر تجربة له مخرجاً... رغم أننا لم نعد نصدّق بيلا تار (1955) بسهولة. ألم يُدل السينمائي المجري بتصريح مشابه بعد الانتهاء من فيلمه السابق «رجل من لندن» عام 2007؟ وها هو يعاود الكرّة، معلناً في حوار صحافي: «أظنّ أنني قلت كل ما أريد قوله في أفلامي. هل تريدون مني تكرار نفسي أو استنساخها إلى ما شاء الله؟ لم يعد باستطاعتي أن أخرج أفلاماً تحت اسم بيلا تار». لكن «حصان تورينو» (2010) الذي يفترض به إذاً أن يكون مسك ختام مسيرة صاخبة لمخرج جدلي، لن يلقى على الأرجح في بلاده الحفاوة التي تليق بمراسم الوداع.

بيلا تار هو المخرج الذي أعاد إلى السينما المجريّة بريقها وانتشارها العالمي. تبتعد أعماله طبعاً عن السينما التجارية، وتقدّم نظرة خاصة متفردة، تهتم بالإنسان، من خلال طبيعة العالم والحياة. انتقل بيلا تار من الواقعية الاشتراكية، ليحمّل أفلامه أسلوباً خاصاً، اشتهر به في الثمانينيات، سواء من لقطات بطيئة طويلة تقارب العشر دقائق، أو في تجنّب أسلوب السرد السينمائي المألوف، وأيضاً في استخدامه الأبيض والأسود بنحو أساسي. نفكّر هنا بأفلام مثل «لعنة» (1988)، وتحفته «تانغو الشيطان» (1994) الذي يتجاوز سبع ساعات، و«أنغام ويركمايستر» (2000)، و«رجل من لندن» (2007)... كلّها تجارب ترشح منها سوداوية كئيبة، وتنوء تحت حالات البؤس... رغم إصراره على أنها ليست كذلك. ما يهمه في النهاية، كما أكّد مراراً، هو اختراق ذلك الواقع الذي تتغاضى عنه السينما عادة، من خلال أعمال تغوص في متاهة الإنسان الداخلية. وهذه المناخات السوداويّة نجدها طبعاً في فيلمه الأخير الذي رأى فيه النقاد بعد «البرلينالي» بصمة مميّزة يتركها بيلا تار في سجلّ الفنّ السابع. «حصان تورينو» الذي حاز «الدب الفضي » في الدورة الأخيرة من «مهرجان برلين السينمائي»، ينطلق من حكاية الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه التي يرويها تار بكلماته.
ذات يوم من شتاء 1889، في مدينة تورينو الإيطالية، يخرج نيتشه إلى الشارع ليرى سائق عربة وسيماً يعاني من حصانه العنيد الذي يأبى التحرك. ورغم توسلات صاحبه المتكررة بقي الحصان ثابتاً، ما أفقد الرجل صبره، فانهال عليه ضرباً. عندها ارتمى نيتشه فوق عنق الحصان باكياً، ليفقد عقله نهائياً بعد تلك الحادثة. الفيلم الخالي تقريباً من الحوارات، يتخذ من المعاناة والموت ثيمة رئيسية، جاعلاً من حكاية نيتشه إطاراً رمزياً لقصة المزارع الذي يعيش مع ابنته معاناة صعبة.
لكنّ الفيلم الأخير ما زال ممنوعاً من الدخول إلى موطنه هنغاريا... ولا يعود السبب إلى كون الفيلم مثيراً للجدل سياسياً. تعود المسألة إلى حديث صحافي أدلى به تار بعد فوزه بثانية جوائز «برلين»، ينتقد فيه الأداة الحاليّة في بلاده، وتحديداً إلى الحكومة اليمينيّة التي يرأسها فيكتور أوربان. قال المخرج السجالي إنّ ما تشهده بلاده ليس إلا حرباً ثقافية. وشنّ هجوماً لاذعاً على أوربان الذي وصف المثقفين بـ«خونة الوطن» بسبب ليبراليتهم وانفتاحهم.
واحتج بيلا تار أيضاً، في معرض انتقاداته القاسية، على قطع الدعم المالي عن صناعة السينما وباقي الفنون. فور صدور الحوار، تلقى المخرج اتصالات غاضبة من وزير الثقافة ومدير شركة إنتاج فيلمه. ولم يكن من السلطات إلا أن ألغت افتتاح الفيلم، وعروضه في صالات هنغاريا كلها.
وكان تار قد وقّع أيضاً على بيان إلى جانب زملائه من المخرجين المجريين، ينتقدون فيه قطاع السينما والتحكم الحكومي بالتمويل. والجدير بالذكر أن الانتقادات الموجهة إلى حكومة أوربان بلغت ذروتها في الفترة الأخيرة. فمن جهة، أقرت إصلاحات اقتصادية رأى كثيرون أنّها ستؤدي إلى رفع دين الدولة العام. كذلك أقرت قانوناً إعلامياً (يذكّر بقوانين ومشاريع قوانين في العالم العربي!) أثار الجدل لكونه يشمل تدخلاً حكومياً مباشراً، عن طريق فرض التسجيل المسبق لكل مؤسسة إعلامية، وفرض عقوبة مالية على المؤسسات الإعلامية التي تنشر أخباراً «غير متوازنة». لكن تعديلات عدّة أجريت على القانون بتصويت في البرلمان الهنغاري، تحت ضغط من الاتحاد الأوروبي.
ورغم تراجعه لاحقاً عن أقواله ـــــ ما خيّب آمال جمهوره وزملائه ـــــ يصرّ تار على عدم إغراق فيلمه في مستنقع السياسة اليومية. أليس من حقّه أن يلقي بكلّ ذلك وراءه، لينصرف إلى مراسم الوداع التي تليق بتقاعد مخرج سينمائي كبير؟