بعد طول غياب، أطلقت المغنية البريطانية أديل (27 سنة ــ الصورة) ألبومها الجديد «25» المؤلف من 11 أغنية. الألبوم «قنبلة» بكل ما للكلمة من معنى، ويحقق منذ صدوره في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي (عن شركة XL Recording) أرقاماً قياسية في مختلف أنحاء العالم. آخر نجاحات الألبوم أوضحته خريطة جديدة أصدرها موقع «ديجيتال سباي»، تظهر أنّ «25» يحتل المرتبة الأولى على «آي تيونز» في 110 دول. علماً بأنّ هذا التطبيق متوافر في 119 دولة. وحتى كتابة هذه السطور، قفزت مبيعات الألبوم في الولايات المتحدة عن ثلاث ملايين.


انشغال وسائل الإعلام بهذا الألبوم سبق إطلاقه رسمياً، إذ يعود إلى حين كشفت أديل عن Hello كأغنية منفردة في تشرين الأوّل (أكتوبر) الماضي. حققت هذه الأغنية نجاحاً مذهلاً، متصدرةً سباق الأغنيات في أكثر من 28 دولة (من بينها بريطانياً والولايات المتحدة)، وأصبحت الأغنية الأولى التي يتم تحميلها أكثر من مليون مرّة في أسبوع إطلاقها الأوّل.
يمتاز الألبوم الجديد بأنّه عاطفي وحميم للغاية، فضلاً عن أنّ كلماته وألحانه تلامس جميع الفئات العمرية. صدر هذا الألبوم بعد إصابة صاحبته بـ «نضوب» فكري بعد إصدارها ألبومها الثاني «21» (عام 2011)، إثر توقّفها عن الكتابة لرعاية ابنها «أنجيلو»، لتعود وتنفتح «قريحتها» في 2013.
من خلال التعمّق في مضمون الألبوم، نلاحظ أنّ Hello التي حاول كثيرون ربطها برائعة ليونيل ريتشي التي تحمل الاسم نفسه (1984)، تتسم بالهدوء والاتزان لجهة الأداء. الأغنية من نوع «بيانو بالاد»، مع تأثّرٍ عالٍ بموسيقى «السول»، وغنّتها أديل بكل ما أوتيت من «طاقة». يضاف إلى قيمة الأغنية الأدائية، نوع الكلام المكتوب الذي يبرز «انكسار» المغنية، ما أكسبها أسلوباً مختلفاً عن غيرها.
Send my love to you new lover (أرسل حبّي إلى حبيبتك الجديدة)، هي واحدة الأغاني التي تشعر المستمع بأن هناك «منعطفاً» ما (twist) فيها. الموسيقى تولّد لدى المتلقي أسئلة كثيرة. تحاول أديل أن تقترب من فكرة الهجران وتبدو مهارتها الكبيرة من خلال الغناء «بسهولة». مع العلم أنّ غناء الكورس جاء صاخباً بعض الشيء.
When we were young (عندما كنّا صغاراً) تعيد أديل إلى المكان الذي تحبّه كثيراً: ترك الموسيقى منخفضة في الخلفية، واستعمال صوتها كواجهة وكمصدر جذب مباشر. هذا الأسلوب هو ما جعل نجمة الغناء البريطانية ما هي عليه اليوم. ويضاف إلى ذلك موسيقى شديدة التجانس مع الصوت، فضلاً عن أنّ الكلام وفكرة الأغنية غاية في الانسجام.
يمكن القول إنّ Remedy (علاج) هي إحدى أجمل أغاني الألبوم، ليس بسبب معانيها العميقة فحسب، بل لأنّ أديل نفسها تغنّيها بإحساس عالٍ، إلى حد تتفوّق فيه على نفسها، من دون أن ننسى الإصرار على البيانو الخفيف كخلفية أحياناً. وفي الدقيقة 2:02، ترفع أديل صوتها، ويبدو تأثّرها واضحاً جداً.

تذكّرنا Water under the bridge (مياه تحت الجسر) بأغنيات البوب في الثمانينيات (مع فرق مثل Oasis وQueen). غير أنّ الموسيقى تتغيّر في الدقيقة 1:19 لتمرّر أجواء أغنيات البوب من التسعينيات التي عرفناها مع فرق مثل No Mercy وEast 17. الملاحظ كذلك أنّ طبيعة غناء أديل هنا تبدو متلائمة مع هذا الجو، ويمكن ببساطة التنبّه إلى أنّها على ما يبدو عاشقة لهذا النوع من الغناء، ومتأثرة به إلى حدٍّ كبير.
River Lea (نهر ليا)، مستوحاة من اسم النهر الشهير الذي يجري في توتنهام حيث نشأت أديل. تبدو الأغنية وكأنّها موسيقى تصويرية لفيلم أكثر من كونها مجرّد أغنية. طبيعة صوت أديل «الحائر» ههنا، تستعمله لإيصال «فكرة» أكثر من الاستعراض الصوتي الماهر. حتى طبيعة الموسيقى الخلفية التي تختفي لتعود وتظهر بين الفينة والأخرى. لكنها في الدقيقة 1:12 تعود وترفع من مستوى الموسيقى مع كورس الأغنية، لكنها تحافظ كثيراً على جو الأغنية العامة.
فيLove in the Dark (حب في الظلام) يظهر تأثّر أديل بمغنّي الروك الكبار، أمثال الأميركي ميت لوف الشهير، خصوصاً في ألبومه Bat Out of Hell II: Back into Hell الصادر عام 1993. تضمّن هذا الألبوع I›d Do Anything for Love But I Won›t Do That التي تشبهها Love in the Dark، وإن ابتعدت أديل عن «صراخ» الروك.

أما بالنسبة إلى Million years ago (قبل ملايين الأعوام)، فتحاول فيها أديل الغناء مباشرةً في داخل عقول مستمعيها، خصوصاً لناحية استعمال الوتريات، مع ميلٍ للتشابه مع كثيرٍ من الأعمال الفرنسية التي تقارب هذا النوع من الغناء. ويمكن الإشارة إلى أنّها متأثرة إلى حدٍ كبير بمغنّي الجاز الأميركيين، وإن كانت حتى اللحظة لا تقلّد أحداً. الأغنية مباشرة، وتبدو فيها أديل هامسةً. وهذه إشارة إلى مقدرتها ومهارتها العاليتين في الغناء في مختلف الطبقات.
يرتفع صوت البيانو في البدايات في All I Ask (كلّ ما أطلبه). صوت أديل مكمّلاً للمشهد. إنّها ليست مجرّد أغنية، فصاحبتها تخاطب أحداً. هذا الأسلوب نجح كثيراً في ألبوميها السابقين، فهي تتقمّص لحظة ما في حياتها، وتخلّدها من خلال أغنياتها، وهذا ما يزيد من «تماهي» المستمعين معها.
بين كلّ أغنيات «25»، يتجلّى الاختلاف في Sweetest Devotion (الإخلاص الأجمل). فأديل تبدو منطلقة أكثر من العادة؛ تفسح المجال لصوتها، فيما تخيّم أجواء الفرح على الأغنية إلى حدّ ما.
ولعلّ I Miss You (أشتاق إليك) هي الأضعف ضمن محتوى العمل، وتحمل نوعاً من «الغرابة» والرتابة. موسيقاها غير مريحة، وغير متناغمة.
رغم ظهوره مع اقتراب نهاية 2015، يأتي ألبوم «25» كواحد من أجمل ألبومات 2015، وتمكنت من خلاله صاحبة الصوت الذهبي من العودة بقوّة إلى محبّيها المشتاقين إليها وإلى فنّها.