كما هي موسيقاه عميقة ومؤثّرة، تبدو لوحة رضا ديراكشاني (1952) عالقة في بنية موسيقية، قوامها الإيقاع، والتماسك، والانعطافات المفاجئة. المتابع لمسيرة هذا التشكيلي الإيراني، سرعان ما سيكتشف أنّ أعماله الجديدة التي تستضيفها «غاليري جانين ربيز» حتى 8 أيار (مايو) المقبل، تدخل طوراً جديداً. ها هو يؤسس لبنىً سردية، تعاين الواقع الإيراني وتحولاته من منطلق حكائي. منذ منتصف التسعينيات، برزت لوحة ديركشاني بقوة في المحترف التشكيلي الإيراني، وانتشرت على نطاق عالمي. بدت اللوحة غير معنيّة بالمرجعيّات المحليّة، وخصوصيّة الفنون البصريّة في إيران. ففي الوقت الذي كان فيه المحترف الإيراني يشهد ميلاً طاغياً نحو الكيتش من جهة، والتراثية التزيينية من جهة أخرى، كانت لوحة ديراكشاني تستفيد من بنية تاريخ المنطقة، وموروثها الحكائي الشعبي.


تأخذ تجربة رضا ديراكشاني موقفاً واضحاً من تأثيرات ما بعد الحداثة التي أسست لحراك، لا يخلو من عدائية تجاه اللوحة. لكنّها لا تبدو منفصلة عن توظيف الكثير من الوسائط الفنية الحديثة، لتقديم تأملات بصرية نقدية في التاريخ والذاكرة الشعبية. تجاربه الجديدة لا تخلو من مسحة فوتوغرافية، يبني من خلالها مشهديات يطغى عليها اللون الذهبي، وتتوارى في طبقاتها اللونية المعتّقة تفاصيل من أزمنة مختلفة.
الطابع الاجتماعي الذي تتسم به التجربة، جعلته يلجأ إلى تقنيات مختلفة للتخفيف من المباشرة التوثيقية. في معرضه البيروتي سنجد الكثير من الطبقات التي تخلق مساحات بصرية مشوشة. عوائق لونيّة عدَّة يضعها في مواجهة التلقي. في لوحة «أقنعة الحنين» (زيت على كانفاس) ينجز ديراكشاني فضاءً متقشفاً. الألوان المتداخلة تترك أثراً محيّراً. يبدو العمل آتياً من زمن بعيد. رجال بملابس تقليدية تُطلّ وجوههم، رغم تجاهل متعمَّد لملامحهم. وفق ذات الأسلوب، تبدو لوحة «ربطة صفراء» (زيت وذهب على كانفاس) مصنوعة بمزاجية عالية. تتسع المساحة اللونية الذهبية، مع التماعات صغيرة للأحمر والأسود، لتترك مجالاً خصباً للعين في التحرك بين طبقات اللون، والتفاعل مع الموضوع الأساسي لرجل وامرأة في صورة تذكارية قبل الزواج.
يحاول هذا الفنان الإيراني جاهداً ألا يستدرج المتلقي إلى تعاطف تلقائي ومباشر مع مواضيع أعماله، المنطلقة في الأساس من لحظات إنسانية حميمة وعفوية. ثمة ما يجعل التلقي أقرب إلى التلصُّص واستراق النظر إلى عوالم ولحظات موجعة. في لوحة «أصوات محطّمة» (قطران وذهب وزيت على كانفاس) ثمة نسوة عالقات في ما يشبه تلك القشور التي تتراكم على الجدران القديمة. في كثير من أعمال هذا الفنان، نجد المرأة أشبه برهينة أو ضحية، وربما أضحية. تلك المرأة المنتظرة في لوحة «أرملة متوقَّعة» (قطران وذهب وزيت على كانفاس) تعود بنا إلى سنوات الحرب الإيرانية العراقية، حين كانت أيّ امرأة ... هي أرملة محتملة. يزيّن ديراكشاني ملابسها ويرسمها بحرفية تصويرية منتقصة، وفي الفضاء تتدرج تلك الخطوط اللونية وفق إيقاعية متفاوتة، تؤسس لمناخ مريب لا يخلو من الترقُّب والانتظار المضني.
في انقلاباته المستمرة، يقدم رضا ديراكشاني مجموعة لوحات يمكن اعتبارها مؤشرات لمرحلة الخروج من فضاء اجتماعي يعاين الواقع الإيراني بمنظور ليبرالي، إلى ما يمكن وصفه باللوحة الإشارية. صار العمل أميل إلى الرمز المتمثل في توليفات خطية حركية إيقاعية تتّضح حيناً، وتنكمش أحياناً أخرى. في لوحة «منفى الملوك والملكات» (قطران وذهب وزيت على كانفاس) يتراجع الشكل والبناء عموماً لمصلحة خلفية لونية ثابتة وقوية، أمام حراك جسدي بسيط ومتقشف جداً. لم تعد اللوحة مكاناً لإبراز مهارات وقدرات تشكيلية، بقدر ما هي مساحة لتعبيرات صبيانية مباشرة.




حتى 8 أيار (مايو) المقبل ـــ «غاليري جانين ربيز» (الروشة/ بيروت). للاستعلام:01/868290