كل شيء بدأ بالمصادفة. لو أنّ أحد أصدقاء غسان الرحباني، لم يكتشف بالمصادفة ذلك اللحن الأليف في فيلم وثائقي للمخرجة سيمون بيتون عن المناضل المغربي القتيل مهدي بن بركة، لما دخل النشيد الوطني دائرة الضوء من زاوية لا يحسد عليها. اللحن الذي سمع فؤاد خوري منه بضع ثوان، لم يكن سوى النشيد الوطني اللبناني، مع كلمات مغربيّة ... وفي جنريك الفيلم، قدّم اللحن الذي يعود إلى مطلع العشرينيات، بصفته من «الفولكلور الوطني المغربي». عجباً، هناك نشيد توأم للنشيد الوطني اللبناني؟


مَن السابق؟ نشيدنا أم النشيد المغربي؟ هنا، بدأ غسان الرحباني رحلته الاستقصائيّة التي أدّت به إلى مجموعة من الاكتشافات المدهشة عرضتها قناة «الجديد»، ووصلت به الى حد المطالبة بـ ... تغيير النشيد! وبالفعل، ها هي مطالب غسان تلقى آذاناً صاغية، أقلّه على الشبكة العنكبوتية مع انطلاق «الحملة الوطنيّة لتغيير النشيد الوطني اللبناني» على «فايسبوك». «فضيحة النشيد اللبناني» هي الجملة الأكثر تداولاً هذه الأيام، وارتدادات التقرير الذي بثته قناة «الجديد» الأحد الماضي، واستكملته بآخر أول من أمس، ما زالت تتفاعل إلى درجة دفعت وزير الثقافة في حكومة تصريف الأعمال سليم وردة إلى تأليف لجنة لتقصّي القضية، وفق ما أفادت المحطة اللبنانية أول من أمس.
حالما عرض التقرير الأول على «الجديد» الأحد الماضي، انتشر على «يوتيوب» و«فايسبوك». وقد بيّن التطابق الغريب بين نشيد «جمهوريّة الريف المغربية» (نشيد «بطل الريف» للشاعر الراحل إبراهيم طوقان وألحان محمد فليفل) التي تأسست عام 1921 وزالت عن الخريطة عام 1926، وبين «النشيد الوطني اللبناني» الذي يفترض أنه وضع للمرة الأولى عام 1927، واعتمد نشيداً للجمهوريّة اللبنانيّة بعد الاستقلال عام 1943، وألّفه رشيد نخلة ولحّنه وديع صبرا.
يخبر غسّان الرحباني كيف اكتشف الأمر حين كان صديقه المستشار الفني فؤاد خوري يشاهد الشريط الذي أنجزته سيمون بيتون عن مهدي بن بركة عام 2001. إذ فوجئ بمرور لحن النشيد الوطني اللبناني على قصيدة أخرى حملت توقيع الشاعر إبراهيم طوقان. وكانت القصيدة مهداة للمقاوم المغربي محمد بن عبد الكريم الخطابي (1882 ـ 1963) رئيس جمهوريّة الريف بين 1921 و1926.
يؤكد جمال فليفل أنّ النشيد الذي ينسب لوالده عام 1924 «لا يمتّ إلى الواقع بصلة، لأن كل الألحان كانت تحمل اسم «الأخوين فليفل» لا محمد وحده، وأول تعاون بين والدي والشاعر طوقان كان في قصيدة «موطني»». ويسأل: «كيف سيرضى محمد فليفل، إذا كان نشيد «كلنا للوطن» من ألحانه بأن يحمل اسم وديع صبرا من دون أن يعترض؟». ويشرح فليفل الابن أنّ النشيدين يقدمان على تركيبة الموشح نفسه، لكنّه ينتقد لحن صبرا نقلاً عن والده الذي رأى أن «ثمة مغالطة في اللحن الذي لم يكن منسجماً مع الكلام». والسؤال عن الأسبقية التاريخية بين النشيدين تأخذنا إلى فرضية أن يكون أحد الملحنين باع نشيده للآخر. هنا، يطالب غسّان الرحباني بقول الحقيقة: «هذا النشيد ليس لنا، وعلينا أن نسير في الأمور حتى النهاية؟». ويسأل: «هل المطلوب أن نصمّ آذاننا، أم تكون لنا وقفة تاريخيّة لتبرير ما كشف وربما تغييره، لأنّ لبنان بُني منذ عام 1927 على كذبة؟». ويطالب الرحباني بمحكمة فكرية لبتّ مسألة الألحان، إذا كانت مسروقة أو متطابقة.
صحيح أنّ الوثائق تثبت صحّة ما يقوله الرحباني، لكنّ الباحث الموسيقي إلياس سحّاب يبدي استغرابه من «وضوح تسجيل «نشيد الريف» الذي يعود إلى عام 1924، وخصوصاً أننا نعرف مقطوعات موسيقيّة سجّلت بعد هذا التاريخ وكانت أقل وضوحاً بكثير». هنا يردّ الرحباني بأن «الأمر ليس بهذه الصعوبة، فالنشيد يحكي عن الخطابي، وسجلته أوركسترا وطنيّة، ويُسمع في العمل صوت الكورال أكثر من صوت الموسيقى».
أما المسرحي محمد كريّم فيؤكد أنّ الأخوين فليفل لحّنا فعلاً قصيدة نشيد «بطل الريف». وعندما أعلنت مسابقة اختيار النشيد الوطني اللبناني عام 1927، طُلب من الأخوين فليفل وضع تفاعيل النشيد، فاختارا وزن قصيدة نشيد «بطل الريف» لتكون المعيار. وقد نسج الشعراء المتقدمون للمسابقة قصائدهم على إيقاعها، ومنهم الشاعر رشيد نخلة ولحّنها وديع صبرا. ويوضح كريّم أن «فليفل اتهم اللجنة وقتها بالتحيّز في اعتماد لحن صبرا، لأنّهما كانا يعتبران أنهما أحق، فلماذا يقول هذا الكلام إذا كان هو صاحب اللحن أساساً؟». القضية لم تنته بعد، والأيام المقبلة ستكشف مزيداً من التفاصيل ... فهل نصحو قريباً على تغيير «كلنا للوطن»؟




المغرب خارج التغطية!

في المغرب، لا أحد يعرف شيئاً عن جمهورية الريف ونشيدها. المؤرخون يرون أنّ هذا الجانب من التاريخ منسيّ، وخصوصاً أنّ الرواية الرسمية بعد الاستقلال تريد طمس جمهورية الريف. كل ما يدرس في التعليم الحكومي، أنّ محمد بن عبد الكريم الخطابي كان مقاوماً. وقد اتصلت «الأخبار» بعدد من الباحثين في الموسيقى المغاربة، لكنّهم أكدوا أنّهم لم يسمعوا بالموضوع إلا من خلال وسائل الإعلام اللبنانية، كما لو أنّ النشيد لم يوجد أبداً!