المسرحية المأخوذة عن نصّ التشيلي أرييل دورفمان «العذراء والموت»، كانت مسك ختام «أيام المنارة المسرحية» هذا العام. العمل كان أول تجربة إخراج في المسرح العربي للراحل جوليانو مير خميس، وآخر أعماله المسرحيّة، وقد أدّته كلارا خوري، وعامر حليحل، وصالح البكري على «مسرح القصبة» في رام الله، مساء الأربعاء الماضي.


«مع انهيار الديكتاتوريات العربية، تحمل مسرحية «العذراء والموت» معاني جديدة»، يقول مدير مهرجان المنارة المسرحي جورج إبراهيم. «وبعد اغتيال مخرجها، صارت تحمل إصرار المسرحيين الفلسطينيين على استكمال مشروع «جول»، المتمثل في الحفاظ على الخشبة فوق الرقابة، من دون المساومة على الجرأة في الكتابة والأداء المسرحي».
تروي المسرحية حكاية باولينا الطالبة الجامعية، والناشطة سياسياً ضد حكم الديكتاتور التشيلي بينوشيه. اعتقلت باولينا، وعُذِّبت تحت إشراف طبيب جنّدته الاستخبارات، ليغتصبها. وبعد مرور الزمن، تُفاجأ بولينا في أحد الأيام بسماع صوت كأنّه صوت الطبيب روبرتو، جلادها، يدخل البيت. لقد ساعد زوجها جيراردو في إصلاح سيارته، ثم لبّى دعوته إلى البيت. وكان صوت الضيف، ونبرته، وشغفه بنيتشه، وإفصاحه عن عشقه لرباعية شوبرت «العذراء والموت»، يعيدها إلى لحظات الألم في الزنزانة. تقرر باولينا الانتقام، إلا أنها تتردد طويلاً بين ثأرها الخاص والمصلحة العامة. فزوجها جاء لتوه من اجتماع مع الرئيس الجديد، بغية تأليف لجنة تحقيق في ممارسات نظام بينوشيه.
تكابد باولينا بجهد لكي تنأى بنفسها عن العنف. تبحث عن «انتقام أخلاقي» لمعاقبة الطبيب، فيما يتلو عليها زوجها المحامي قائمة حقوق روبرتو الإنسانية. فلا الزوج يشاركها نضالها، ولا الطبيب ــــ رغم اعترافه بجريمته ــــ يبدي ندماً على اغتصابها.
يظهر في المسرحية سعي «إلى تأكيد الارتباط بين القمع السياسي، وجريمة الاغتصاب من خلال التركيز على هذه العلاقة في النص وفي الأداء»، تقول كلارا خوري. «الصراع لتحقيق التحرر الاجتماعي، متشابك مع الصراع ضد النظام السياسي المتسلط». وهذا ما أفرد له الراحل جوليانو مير خميس مساحة مهمة في منجزه الفنّي. هكذا يغدو نصّ الكاتب أرييل دورفمان في المسرحية وسيلة لفهم الواقع، ووسيلة للاحتجاج على النظم الاستبدادية وضباطها ورموزها. هذا ما يجعل المسرحية حافلة بالدلالات والمعاني، حين تعرض في زمن انهيار الديكتاتوريات العربية، وما يرافقها من أسئلة عن المحاسبة والعقاب على مستوى المقموعين كأفراد، وعلى المستوى الجماعي. ويتجاوز النصّ ظرفه الزمني والمكاني المتمثل في عهد الديكتاتور بينوشيه، ليعبّر عن «قمع كل الديكتاتوريات لمعارضيها، وعن قمع المرأة وممارسة العنف عليها حتى من الرجال المقموعين بالنظم البوليسية أو الاحتلال».
أما المخرج الذي اغتيل أمام مسرح «الحريّة» في جنين قبل أسبوعين، فقد أراد لعمله هذا أن يكون «بداية كفاح من أجل عالم أفضل وأكثر عدالة». هذا الكفاح مستمرّ بأساليب مختلفة، لكن من دون جوليانو مير خميس.