تعرف غالبية عشّاق السينما المخرج الكبير ستيفن سبيلبيرغ بوصفته أستاذاً في أفلام الخيال العلمي. لكنه أيضاً يتميز بنوعٍ آخر من الأفلام هو «أفلام البروباغندا»، خصوصاً تلك التي تمجّد الثقافة الأميركية (وحتى الصهيونية) وتدافع عنها.


يأتي مخرج سلسلة «انديانا جونز» أيضاً بأفلام من نوع «قائمة شيندلر» (1993) الذي يروي قصة «افتراضية» للمحرقة الصهيونية إبان الحرب العالمية الثانية في ألمانيا؛ مروراً بـ «إنقاذ الجندي راين» (1998) وصولاً إلى «ميونيخ» (2005) الذي يروي قصة الخلية الصهيونية التي اغتالت القادة الفلسطينيين بعد العملية الشهيرة في القرية الأولمبية؛ فضلاً عن إنتاجه فيلمي كلينت ايستوود «أعلام آبائنا» و«رسائل من إيو جيما» (2006) اللذين يمجدان بطولات الجنود الأميركيين.
إذاً باختصار لم يكن فيلم «جسر الجواسيس» (Bridge of Spies) الذي يروي قصةً «مخابراتيةً واقعية»، بغريبٍ عن الرجل. الطرح الذي يود المخرج إيصاله، وعلى لسان أبطاله حرفياً: «أميركا هي البلد الديمقراطي كفاية كي يدافع عن تلك المبادئ حتى في أحلك الظروف».

قصة مسبوكة جيداً
وتفاصيل حقيقية ومؤثرة من المجتمع الأميركي

يروي الفيلم (سيناريو الأخوين كوين ومات شارمان) قصةً معقدةً على غرار أفلام سبيلبيرغ حيث يمزج بين الواقع والخيال ضمن قصة واحدة حدثت بين الأعوام 1957-1962. إنها حكاية رودولف إيبل (أو ويليام فيشر وفق اسمه الحقيقي؛ ويؤدي دوره في الفيلم الممثل مارك رايلانس) الذي تقبض عليه الولايات المتحدة أثناء قيامه بعمليةٍ أمنية على أراضيها؛ فيتهم بأنه جاسوس يعمل لصالح الاستخبارات السوفياتية (KGB). تهمةٌ من شأنها إيصاله إلى حبل المشنقة خصوصاً أننا نتحدث عن حقبة شهدت ذروة الحرب الباردة والتوتر بين القطبين الأميركي والروسي. لكن التحقيقات لا تثبت شيئاً على الرجل، فضلاً عن عدم اعترافه بشيء. هذا الموضوع يقود الحكومة الأميركية إلى قرار تعريضه لمحاكمة ـ شبه صورية- مع تأمين محامٍ له؛ لأنّ إعدامه بلا محاكمة سيمكّن السوفيات من استعمال الحادثة للدعاية المضادة. بطبيعة الحال، يُحضر له محام مختص في قضايا التأمينات والتعويضات يدعى جيمس دونوفان (توم هانكس) اعتزل المرافعات الجنائية منذ أمد. ينجح دونوفان في إقناع إيبل بقبوله كمحامٍ بعدما رفض التعاون مع الأميركيين مقابل إسقاط كل الدعاوى ضده. بعدما حكمت المحكمة على إيبل بالإعدام (بتهمة الجاسوسية وغيرها) يتم التوصّل إلى اتفاقٍ ضمني مع القاضي الذي خفض العقوبة إلى 30 عاماً من السجن بدلاً عن الإعدام. يتعرض دونوفان هنا لضغوطٍ شديدة من جميع الجهات الرسمية ومن المجتمع أيضاً كونه يدافع عن «عدوٍ للأمة وللشعب»، فضلاً عن التهديدات الكثيرة التي يتلقاها بشكلٍ يومي. بعد ذلك، تأخذ القصة منحى آخراً شديد التعقيد حين تسقط طائرة U2 أميركية كانت تتجسس فوق سماء الاتحاد السوفياتي ويقع قائدها فرانسيس غاري باورز (أوستن ستويل) في الأسر. هنا تخطر في بال دونوفان فكرة مبادلة الأسيرين، فهل ينجح في ذلك؟ وما هي التعقيدات التي ستظهر؟ وهل فعلاً إيبل هو جاسوس أم أنّ الأمر ملفقٌ برمته لوضعه في السجن؟
تأتي مهارة سبيلبيرغ أمراً لا مجال للنقاش فيه. إنّه واحدٌ من «الفتيان السحرة» في هوليوود، أي أنه يستطيع أن يقود أي فيلم للنجاح مهما كان صغيراً، فكيف إذا كانت القصة مسبوكةً جيداً، فضلاً عن غرقها في تفاصيل حقيقيةٍ ومؤثرة في المجتمع الأميركي؟ على الجانب الآخر، يؤدي هانكس بحرفيةٍ على عادته، فلا يبتعد عن مهاراته المعروفة في إيصال الشخصية كما هي. صوّر الفيلم في مناطق متعددة في أميركا (بروكلين وكاليفورنيا)، وأوروبا (بولندا وألمانيا) واستعملت فيه ديكورات تحاكي المرحلة التاريخية في خمسينات وستينات القرن الماضي؛ فبرزت السيارات القديمة، كما طبيعة الشوارع، والديكورات المنزلية والمكتبية التي تبرز طريقة الحياة في ذلك الوقت بالذات. يستحق الفيلم المشاهدة بالتأكيد، ففيه من المهارات التقنية والإخراجية ما يخوله أن يكون فيلماً جميلاً لناحية العمل التقني والسينمائي، لكن ما يجب النظر إليه أكثر هو «طبيعة المحتوى»، تلك هي بالطبع مهمّة المشاهد في اختيار الجانب الذي يريد.

Bridge of Spies: «غراند سينما» (01/209109)، «أمبير» (1269)، «فوكس» (01/285582)