هل بات علينا أن نعتاد الحروب؟ أن نحترف الخوف؟ أسئلة ما نلبث أن نطرحها كلما بقينا أحياء من باب الصدفة بعد كلّ انفجار، أو بعد كل رصاصة طائشة كان ممكناً أن تصيبنا. إذاً نحن نحيا بالصدفة هنا. خوفنا وقلقنا بعد الانفجار الأخير الذي ضرب الضاحية الجنوبية في بيروت، جعلنا على يقين أكثر بأننا لم نعتد بعد رغم كل الانفجارات التي ضربت لبنان. فكيف نعتاد القتل والدمار؟ وصور أشلاء الضحايا والشهداء؟ ألم أناس فقدوا أحباء لهم؟


منذ نشوء الكيان اللبناني، ثمّة معادلة يفرضها الواقع أنه لا يمكن الاستمرار في دوّامة الخوف التي نعيشها مع كلّ خضّة أمنية، وأنّه يجب كسر الحواجز النفسية الكثيرة التي ترسمها لنا هذه الحروب الصغيرة والكبيرة بين في البلد الواحد، والمنطقة الواحدة وربما الحيّ الواحد. بعد كلّ انفجار أو خضّة أمنية، يسيطر علينا الرْعب. نرسم لأنفسنا خطوط تماس لا يجب تجاوزها، نتقوقع في ذواتنا، ترعبنا فكرة الاقتراب من الاماكن القريبة من الانفجارات. تسيطر علينا حالة ترقّب تفرغ ذاكرتنا من كل شيء الا من الخوف، وحالة من الحذر تكبّل عقولنا، فتغدو الأيام ثقيلة، فارغة من أي أمل أو طموح، سوى الانتظار. انتظار تسوية قد تطول، فالدماء التي سالت وما زالت، لم تشبع اللاعبين بعد، وطبخة تقاسم بلادنا قد تحتاج إلى أشهر وربما سنوات. فهل بات علينا أن نؤنسن خوفنا؟ وهل بات أن نولد من الضعف قوة يقنعنا بأنه علينا الاستمرار، وبأن ثمّة ما يستحق لكي نبقى من أجله في لبنان؟
نحن الجيل الذي لم يعش الحرب الأهلية لكنه عرفها في الكتب. خبرها عبر المسرحيّات الهزلية والأفلام. نهرب إليها من جديد. نبحث عن حكايا من عايش تلك الحقبة. نبحث في أعمالهم عن طرقهم في التعايش معها. أجواء الحرب ما زالت قائمة وإن تعددت أوجهها. الانفجارات ما زالت ولو بلاعبين جدد. وأصوات الرصاص ما زالت تسمع بين الحين والآخر كلما استفاق اللاعبون القدامى على قضيّة أو تسوية. نرجو من فيروز الأمل والثبات بلبنان الحلم. كأننا نشاهد أو نسمع في مسرحيات الرحابنة بعضاً من تاريخ لم ينته ولا يراد له أن تنتهي. نضحك مع زياد على حالنا القديم المتجدد. نستلهم منهم الأفكار وسبل العيش في وطن يسلب كلّ يوم ومع كل انتظار من أعمارنا. نقنع أنفسنا بأن لا مكان للفرح المنتشر مجاناً في بلادنا. نقنع أنفسنا بأن الحروب بمختلف أشكالها ربما هي قدرنا، كما كانت قدر أهلنا وأجدادنا من قبلنا. هؤلاء ربما كانت وطأة الأيام عليهم أشد. لكنهم وجدوا مساحة للحب وللأمل. ومنهم من وجد مساحة للإبداع وسط الحروب العبثية الكثيرة في هذا الوطن المثقل. ونحن أيضاً، ربّما كتب علينا أن نستقبل كل هذه الحروب بسخرية، لكي نحيا بالصدفة، طبعاً، لكن بخفّة أكثر. أن نحوّل خوفنا إلى إبداع، لكي نبقي على الأمل وبعض إرادة. وأن نزرع وسط كل هذه الشرور المحيطة بنا الكثير من الحب. إذا، علينا أن نسخر من كل هذه العبثية التي تأسرنا. كما يسخر المجرمون من طموحاتنا وأحلامنا بحقدهم. ولا خيار لدينا، فـ «نحن محكمون بالأمل». نعود إلى كتب التاريخ. ما زلنا نبحث عن حكايات مبعثرة. نضحك، ندّعي أننا أقوى من الظلام في انتظار الجولة المقبلة.