بين زغاريد أهالي العسكريين المخطوفين لدى جبهة "النصرة" صباحاً آملين بعودة ذويهم الى أحضانهم، والوجوم الذي حلّ على وجوههم مساء... خطّ واحد رسم لهم تعابيرهم، ولعب على أعصابهم طيلة هذا النهار الطويل. منذ بدء الإعلان عن صفقة التبادل بين الدولة اللبنانية وجبهة "النصرة" لإخراج العسكريين اللبنانيين الـ 16 المحتجزين منذ آب (أغسطس) الماضي، تتضارب المعلومات وتكثر الروايات والتخمينات على المنصات الإعلامية والإفتراضية، الى حدّ بات هذا التداول والفبركات تشكل خطراً مباشراً على المفاوضات.


أول من أمس، بدا كأنه تراشق إعلامي وتبادل في تحميل مسؤولية توقف ملف التبادل. أعلنت كل من "الجديد" وlbci التزامهما الإبتعاد عن إيراد أي معلومة في ملف المفاوضات الجارية. أوردت "المؤسسة اللبنانية للإرسال " في مقدمة نشرة أخبارها أنّها لن تفصح عن أي معلومة رغم امتلاكها معلومات وتفاصيل التفاوض وكواليسه، فيما غمزت "المنار" في مقدمة نشرتها ما أسمته بـ "التلوث الإعلامي من نوع السبق الصحافي" الذي عكّر "الإنبعاثات الإيجابية" في ملف العسكريين المخطوفين.
هذه "العفة" التي ارتداها الإعلام محاولاً إظهار جانب إنساني ووطني في قضية كان لها الثقل الأبرز على الساحة اللبنانية طيلة عام وخمسة أشهر، سقطت مع بداية اليوم المنتظر لخروج 16 عسكرياً مخطوفاً، مع الإستعانة بوسائط إخبارية مرادفة للشاشة التلفزيونية. هكذا انهالت المعلومات المتضاربة من خلال تطبيقات الأخبار العاجلة ووسائل التواصل الإجتماعي والحسابات الخاصة بالقنوات اللنبانية. بدا الإعلام اللبناني يمارس إزدواجية واضحة في إدعائه حرصه على هذا الملف، واستعانته بالكتمان، وبين إمطار الوسائط الإجتماعية بالرسائل والمعلومات المغلوطة التي تضرّ بطبيعة الحال بمسار المفاوضات، وتلعب بأعصاب أهالي العسكريين.
بداية، توجهت الكاميرات الى ساحة "رياض الصلح" مكان اعتصام الأهالي. تحوّلت هذه النقطة الى محجة ونقطة ارتكاز لهذا الإعلام. أهالي العسكريين كانوا بين نارين: بين التكتم على ما يجري خوفاً على حياة أبنائهم والنفور من إلحاج القنوات على تكرار الأسئلة عينها، وبين الشوق لإلتقاط أي معلومة تثلج صدورهم. الوجهة الثانية كانت في صباح اليوم التالي أي يوم الأحد الى عرسال حيث تواجد العسكريين المخطوفين. بعدها بدأ توالي بحر المعلومات المتناقضة وغير الدقيقة التي كانت تنشرها وسيلة الإعلام نفسها. على سبيل المثال، فيما أجواء إيجابية تخيّم في الإعلام، كانت otv تبث ضمن شريطها العاجل أن "هناك صعوبات وتعقيدات حتى الساعة تحول دون إتمام عملية الصفقة"، لتورد بعده أن "المساعي ناشطة لتذليل العقبات التي تواجه عملية التبادل". ونشطت عبارة "مصادر في الدولة اللبنانية" رددها مراسلون خلال تغطيتهم لهذا الملف ناقلين من خلاله عدة معلومات، كما فعل مراسل mtv عندما نقل بأنه "لا يمكن تنفيذ شروط النصرة والقيام بإيصال سيارات الإغاثة".
وبينما تنهال المعلومات المغلوطة تحت عنوان "مصادر الدولة اللبنانية"، خرج بيان حاسم للأمن العام اعتبر أن كل "ما تم تداوله في وسائل الإعلام (..) معلومات غير صحيحة وتتنافى كلياً مع الحقيقة خصوصاً لجهة التبادل". وهابت مديرية الأمن العام بوسائل الإعلام توخي التعامل "مع هذا الملف الإنساني والوطني بمهنية ومسؤولية".

إذاً بدل أن تكون البوصلة اليوم نتيجة سعيدة تتمثل في خروج العسكريين المخطوفين من أوكار جبهة "النصرة"، وإنهاء عذابات الأهالي، كانت الوجهة الإعلام وطريقة تعامله السيء مع هذا الملف، الذي آثر السبق الصحافي بمعلومات مغلوطة على حساب ملف وطني إنساني بإمتياز، ولم يستطع ضبط نفسه طيلة فترة المفاوضات الى حين هذه الساعة، فإستخدم كل منصاته للتشويش وبث الأضاليل والروايات المتضاربة ضارباً بعرض الحائط أي معيار مهني وإنساني.