حضورها علامة فارقة في المشهد الغنائي اللبناني. تجربتها الغنائية ليست منفصلة عن مشروع موسيقي بديل، يرتكز على الدمج بين روافد مختلفة. منذ بداياتها، اتّجهت نحو المغاير والإشكاليّ، مع أنّ الجمهور لم يكن معتاداً حينها، على سماع امرأة، تؤدّي لوناً غنائياً يتجاور فيه الهزل والجدّية. لطالما كانت الأغاني الساخرة، ذات الطابع الاجتماعي والهم الإنساني، حكراً على المغنّين الرجال. نادراً ما كان يتشابك التهكّم والرصانة والشاعرية في نبرة امرأة، باستثناء فيروز في تجربتها مع زياد الرحباني. تانيا صالح قلبت المعادلة، واجتهدت لتحقيق حضورها المستقلّ.


تانيا التي تعاونت في باكورتها (2002) مع عصام الحاج علي، وشربل روحانا، ورفيق دربها فيليب طعمة، وشاركت غناءً في أسطوانة «والعكس صحيح» لشربل روحانا، و«درابزين» لتوفيق فرّوخ ... لم يُعرف عنها دفاعها عن البيئة (أغنية «الأوزون») وقضايا الناس فحسب، بل أيضاً ميلها إلى اللعب على الكلام. إلى جانب الغناء المنفرد والجماعي، واظبت على التلحين، والكتابة باللغة المحكية. تتأرجح أغنياتها بين الروك والفولك الأميركي والفانك، والموسيقى الشرقية. ويندرج بعضها في خانة «الأغنية الملتزمة»، كما في ألبومها الثاني «وحدة» الذي أطلقته مساء الخميس في بيروت. لكن مع إفراغ مصطلح «الالتزام» من معناه الحقيقي في الفترة الأخيرة، بات من الصعب تصنيف أغنياتها، علماً بأنّ صالح تفضّل تسمية «الموسيقى البديلة».
السباحة عكس التيّار مغامرة متعبة من دون شكّ، لكن يبدو أنّ تانيا صالح لا تستسلم. كلّما غابت برهةً، تعود إلى الأضواء بصوت أنضج. وهذا ما تنمّ عنه أغنيات «وحدة». صوتها ليس رنّاناً، لكنّه صحيح ومتمكّن. ترى ما الذي يضفي صدقية وخصوصية على أدائها؟ هل هو اشتغالها الدقيق على الحضور الغنائي، أم خوضها تجارب موسيقية جريئة قابلة للتطوير؟ الاثنان معاً على الأرجح ...
تضمّ أسطوانة «وحدة» تسع أغنيات من كلمات تانيا صالح، تعكس في معظمها واقع لبنان المأزوم، في ظلّ نظام طائفي يغذّي الانقسام الداخلي، ويستجلب التدخّلات الخارجية. بشيء من المرارة، وكثير من الواقعيّة، تترنّم الفنّانة اللبنانيّة الشابة: «خلّيك فايق، خلّيك واعي/ الحالة وسخة وسخة كتير» (أغنية «أيّا شي»، وقد وردت في الأسطوانة بتوزيعين مختلفين). جرعة زائدة من الفكاهة السوداء، نستشفّها من خلال أغنية «وحدة»: «صار لازم تلاقي وحدة توقف حدّك/ شي وحدة وطنية بنت عيلة وبنت حلال».
الأغاني التي شارك في تلحينها مهران غورونيان، وتانيا صالح، وجاد عواد، وهيثم شلهوب، تستند إلى بنية دينامية. التقاسيم المرتجلة، وبعض الإيقاعات (إيقاع «وحدة»، و«أيّوب»، و«سداسي 1»، وأحد فروع الـ«قَتَقَفْتي»)، والآلات (القانون، الناي والمزمار ...)، والمقامات (النهوند، البياتي وأحد فروع الراست)، تمنح الألبوم خصوصية عربية. بسلاسة لافتة، يتنقّل الموزّع فيليب طعمة بين إيقاع البوسا نوفا والموسيقى الشرقية والروك والجاز وأنماط أخرى، مثبتاً احترافيّته. أغنية «لازم» تحاكي أسلوب الراب.
الأغنيتان الأكثر تطابقاً مع الحالة الراهنة هما «عمر وعلي» و«18 مولايّا». الأولى تتطرّق إلى كابوس الفتنة المذهبيّة: «يا عمر يا علي، قوم يا عمر كلّم علي/ العالم صار حارة زغيرة واللعبة لعبة كبيرة/ يا عمر بلا مرجلة، يا علي بلا ولولة». أمّا الثانية، وهي مقتبسة عن أغنية «عَ العين موليّتين»، من الفولكلور العراقي، فتتقاطع مع حملة إسقاط النظام الطائفي، والتظاهرات الأخيرة: «كل مين في عقل براسو، بيصير علماني/ العالم ماشي لقدّام وعم نمشي خليفاني/ (...)/ كل ملّة عندا مشروع، كل ملّة دكّانة/ كلّن الله باعتلن إلهام ربّاني». لا حل حسب الأغنية التي تؤديها تانيا، سوى بتعزيز اللحمة الوطنية لأنّ «الجسر اللي انقطع مرّة بينقطع مرّة تانية».




في مناسبة صدور أسطوانتها الجديدة، تحيي تانيا صالح حفلتين من تنظيم «نادي لكلّ الناس»، في 5 و6 أيار (مايو) المقبل على مسرح «بيار أبو خاطر»، «جامعة القديس يوسف». (طريق الشام/ بيروت). للاستعلام: 01/217627