تبدو المخيلة العراقية عاجزة عن اجتياز الواقع، سواء من خلال أخذه نحو مجازات أوسع، أو من خلال تقديم سيرة موازية له. نَبْشُ ما عاشه العراقيون، مهمة تنطحت لها أفلام وثائقية كثيرة في الآونة الأخيرة. وتتمحور أغلب هذه الأعمال حول العيش العراقي في ظلّ الديكتاتورية، ثم العيش في ظل الاحتلال. لشدة فداحته، صار الواقع عاملاً حاسماً في ما يقدم من أعمال سينمائية، إلى درجة تجعل النوع الروائي يمتزج بالوثائقي...


لكنّ العكس ليس صحيحاً أبداً. هذا الاستنتاج توصلنا إليه بعد مشاهدة فيلمين عراقيين هما «المغني» لقاسم حول، و«الرحيل عن بغداد» لقتيبة الجنابي.

يدور الشريطان حول صدام حسين: الأول مباشرة من خلال تجسيد شخصيته، والثاني عبر سرد مصير المصور الشخصي للرئيس السابق، وهربه من بغداد إلى صقيع أوروبا الذي لن يرأف به.
في تجربته الروائية الأولى «الرحيل عن بغداد» التي شاركت أخيراً في «مهرجان الخليج السينمائي الرابع»، يترك قتيبة الجنابي المساحة تماماً لامتزاج الوثائقي بالروائي. يحاول أن يجترج فيلماً روائياً مهما كلفه الأمر. لكنّ الفيلم مصنوع بميزانية منخفضة... والحلول، بعيداً عن التبرير، محكومة بهذه الحقيقة الفاقعة. يقوم شريط الجنابي على تحالف في السرد بين الشخصية الرئيسية، والصور الأرشيفية لصدام حسين، ما دام الفيلم يتناول قصة هرب المصور الشخصي للرئيس. وبالتالي، فإن الذاكرة التي تحملها الشخصية ذاكرة فوتوغرافية وفيلمية. وما تستعيده الشخصية الرئيسية، تجري مؤازرته بصور حقيقية، ومقاطع من أفلام فيديو صُوّرت لمناسبات خاصة للرئيس كأعياد ميلاد أحفاده. ويمسي الأمر تصاعدياً، إذ سرعان ما ينتقل هذا الأرشيف إلى حفلات من نوع آخر، ليست سوى حفلات التعذيب ثم القتل بطرق مبتكرة.
يبدأ الفيلم مع المصور صادق (صادق العطّار) وينتهي به. في البداية، نجد صادق يجري مكالمة هاتفية مع زوجته في لندن. من خلال هذه المكالمة، نفهم أنّه ما عاد قادراً على مواصلة حياته في بغداد. وعليه، فإنه سيهرب منها. يتحرك السيناريو وفق ثلاث مفردات: القطارات، والرسائل، وصولاً إلى المدن. كأنّه فيلم طريق لكن بين المدن والعواصم. أمّا الرسائل التي سيكتبها إلى ابنه الغائب، فليست إلا أداةً استعادية لممارسات الرئيس وأعوانه، إذ يكون «الانسيرت» هنا وثائقياً. والمبرر الدرامي لهذا الإجراء ليس سوى جعل المتلقّي يتفاعل مع ذاكرة صادق نفسه. تلك الذاكرة المليئة بالمشاهدات والفظائع ستحضر أمامنا على الشاشة، فيما يكون صادق في هرب متواصل، والخوف رفيقه الذي لا يفارقه
يصير الخوف تمهيداً للنهاية التي أرادها قتيبة الجنابي صادمة، سواء من خلال المصير الذي يلقاه صادق، أو عبر مصير ابنه. الرسائل التي يكتبها الأب إلى ابنه ستكون بمثابة مذكرات، لكونها رسائل لن تصل إلى الابن، أو بمعنى آخر: ما من مرسل إليه. اكتشاف ذلك يعطي مساحة كبيرة للمأساة التي عاشها ويعيشها الأب، إذ سيكون ـــــ كما سنكتشف في النهاية ـــــ مصوراً لمقتل ابنه على يد أزلام صدام حسين... لا بل إنّه سيكون سبباً في وصول ابنه إلى ذاك المصير.
فيلم «الرحيل إلى بغداد» ضمن البنية المتقشفة التي صيغ بها، يبدو منجزاً على طريقة «أفضل الممكن». وقد يبدو فيلماً وثائقياً، أضيفت إليه عناصر روائية تتناغم مع سرده. ضمن تلك المعطيات، يحقق المخرج وعاءً درامياً بسيطاً محاطاً باللون الوثائقي، بهدف الوصول إلى نهايته الصادمة.
أما في «المغنّي»، فيجد المتلقّي نفسه أمام توصيفات مسرحية لا سينمائية. كأنّ الأمر لا يتعدى كونه مزحة مصورة! الرهان كل الرهان في فيلم قاسم حول، هو على تصوير ممارسات صدام حسين وحاشيته، مع من هم حاشيته أيضاً! يتكئ العمل أولاً على فداحة ما كانوا يقومون به، والمسح التجسيدي والمباشر يكون تفتيشاً ذاتياً مهيناً كان يخضع له كل من يحضر حفلة عيد ميلاد الرئيس، وصولاً إلى الكاميرات المزروعة في كل مكان. نرى ذاك الضابط يصفّى ويقتل، لا لشيء إلا لامتعاضه من كون زوجته تتقاسم السرير مع الرئيس، وصولاً إلى مجموعة كبيرة من «الميلودراميات» المجوفة، حين يهم الرئيس بقتل ذاك وتلك أثناء الحفلة، كأننا أمام أطفال يلعبون «عسكر وحرامية».
يمكن توصيف الفيلم بمسرحية هزلية عن الديكتاتور قد تضحك أو لا تضحك. بل إنّ الشريط يستحضر مجموعة من الأغاني يصدح بها المغني العراقي، وهي الحدث الوحيد في الفيلم الذي يدور خارج أسوار قصر صدام حسين. نتعقب مسعى المغني للوصول في الوقت المحدد إلى القصر للغناء لسيادة الرئيس، وكيف تتعطل سيارته، وكيف يحمِّله من يلتقيهم مطالبهم... إلى أن يصل الحفلة متأخراً. حينها يأمره الرئيس أن يغني وفرقته الموسيقية ووجهم إلى الحائط، حيث يربض أيضاً تمثال للرئيس.