استقالة غسان بن جدّو احتجاجاً على خط «الجزيرة» التحريري في تغطية الثورات الشعبية، تعيد إلى الواجهة نقاشاً «خافتاً» في كواليس القناة بشأن الضغوط «الشعبية» و«النفسية» التي يتعرض لها الكثير من موظفي المحطة «الأكثر إثارةً للجدل» عربياً. لم يعد خافياً على أحد أنّ الكثير من صحافيي «الجزيرة» وجدوا أنفسهم في «عين الإعصار»، وتعرضوا لضغوط سرعان ما تحولت إلى «اتهامات» في دولهم، لا لذنب سوى لأنّهم يعملون في القناة التي تُتّهم بـ «الإساءة إلى بلدانهم».


أسماء كثيرة لمراسلين رأوا أنّ «الجزيرة» «تضخّم الأمور»، و«تنتقي السلبيات فقط» في بلدانهم، فقرّروا الاستقالة عن قناعة شخصية أو تحت ضغط الأنظمة والشعوب أحياناً. وليس آخر هؤلاء مدير مكتب «الجزيرة» في القاهرة حسين عبد الغني، ومدير مكتب أنقرة يوسف الشريف، لكنّ الجديد في عصر الثورات الشعبية، أنّ الاتهامات طاولت هذه المرة المذيعين أيضاً، بعدما تركّز بث القناة في غرفة الأخبار في الدوحة بسبب منعها من العمل في الدول التي اندلعت فيها الثورات... هذا قبل أن تتمكن من «التسلل» عبر المناطق التي يحكمها الثوار، وغابت عنها قبضة الأنظمة، كما يحدث في بنغازي حالياً.
محمد كريشان كان أول ضحية لهجمات إعلامية في الصحف التونسية، إذ اتهمه مدير أسبوعية «كل الناس» عبد العزيز الجريدي بمختلف النعوت بسبب عمله في قناة «الرأي والرأي الآخر»، رغم أن كريشان أقرّ في مقال كتبه بأنّه كان يتفادى الحديث عن نظام بن علي قبل الثورة، ثم عيل صبر المذيع التونسي، فقرر أن يذهب إلى بلاده لمقاضاة خصمه، ويجعل منه عبرة لمن يسيء إلى الإعلاميين التونسيين في الخارج على حد قوله. كذلك، لم تسلم خديجة بن قنة من حملة مماثلة، آخر فصولها تلك التي شنّتها صحيفة «النهار» الجزائرية ضدها بسبب تصريحات أدلت بها لـ«الأخبار» («الأخبار»، 19/ 4/ 2011) وانتقدت فيها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بسبب رفضه فتح المجال المرئي والمسموع في بلد المليون ونصف المليون شهيد.
أحد المذيعين في «الجزيرة» علّق على الحملات التي يتعرض لها زملاؤه في دولهم بالقول: «قد تكون هذه المرة الأولى في تاريخ «الجزيرة» التي يجد فيها الصحافيون والمذيعون أنفسهم بين فكّي كمّاشة، بسبب حرصهم على الالتزام بالخط التحريري للقناة من جهة، والاتهامات التي يتعرضون لها في بلدانهم بسبب تغطية القناة للثورات والانتفاضات الشعبية العربية من جهة أخرى». ويستطرد آخر قائلاً: «الصحافيّون في «الجزيرة» موظفون، وهم ملتزمون بالخط التحريري للقناة، ومجبرون على التعاطي بحيادية مع كل الأحداث، بما فيها تلك التي تقع في بلدانهم الأصلية. هذه قوة القناة التي تضم لفيفاً متنوعاً من مختلف الجنسيات العربية». وأضاف: «في رأيي أنّ إدارة «الجزيرة» يجب أن تستمع إلى الانتقادات، لكن في المقابل، لا يجوز أن تحوّل غيرة الإعلاميين على بلدانهم هؤلاء إلى متحدثين باسم الأنظمة، لأن مهمة الدفاع عن سياسة الدول متروكة للسفراء. ولو أنّ صحافيي كل دولة يرفضون تغطية لا تناسب النظام في بلدانهم أو تثير حساسية شعوبهم ويستجاب لهم، فستتحوّل المحطة إلى نسخة من القنوات الرسمية العربية». ولا يخفي بعض الإعلاميين في القناة أنّه يحدث مراراً أن يبدي زملاء لهم «امتعاضهم من تغطية القناة لأحداث في بلدانهم، وعادةً ما تحدث نقاشات مستمرة في اجتماعات التحرير، لكن الكل يظل ملتزماً بالخط التحريري للقناة في نهاية المطاف».