الأعمال العربيّة الراقصة التي شهدتها العاصمة اللبنانيّة الأسبوع الماضي، تجعل من «مهرجان بيروت للرقص المعاصر» (يختتم مساء 30 الجاري)، حدثاً مهمّاً لم تكن تحلم به أي مدينة عربيّة قبل سنوات قليلة. بل إن إنجازاً مثل «الملتقى العربي للرقص المعاصر» ضمن المهرجان، لم يكن يحلم به المبدعون العرب أنفسهم. عمليّة «انتزاع شرعيّة» ندين بها من دون شكّ لعمر راجح ورفاقه في «مقامات»، وإلى زملائهم الذين فتحوا التجربة، عبر شبكة «مساحات»، على رام الله وعمّان ودمشق (ألغيت المحطة هذا العام بسبب الثورة). ومع انتهاء برنامج «الملتقى العربي» في الدورة السابعة من BIPOD، لا بأس من التوقف عند أربع محطّات أعطت هذا الموسم نكهته الخاصة.

في بهو مسرح المدينة، طالعتنا ميا حبيس ذات مساء بعمل غير متوقّع يجمع بين الـ(لا) رقص والتجهيز. لوحات مشهديّة بالأجساد والأكسسوارات زرعت بين الناس في «الحالة الدائمة لمرحلة متقلبة»، وهو عنوان العمل الأوّل كمؤلّفة للراقصة اللبنانيّة المرهفة الآتية من الباليه الكلاسيكي الى الرقص المعاصر. إنّه الزمن وقد تجمّد عند لحظات وحالات ومَشاهد، تبحث عن التفاعل مع الجمهور ودفعه الى التساؤل ... إذ يتجوّل مدهوشاً بين أكثر من ميزان أحمر عند البار، وجسد مسجّى أسفل الدرج، وصبي بالشورت، تجمّد بين العابرين. الرجل الواقف على أبواب المرحاض مع لفّة الأوراق الصحيّة، أو تلك المسجّاة على طاولة، أو المجموعة التي أدارت ظهرها للحائط قرب الدرج المقابل، وبينها فتاة وضعت قدمها في سطل أحمر، فيما وضع شاب سطلاً مشابهاً على رأسه. صور وتداعيات واختبارات خرجت من الخشبة إلى بهو المسرح، كي نتفاعل معها، ونصنع منها حكاياتنا الخاصة.
عمر راجح شارك هذا الموسم بسولو «في مواجهة الصفحة البيضاء» الذي فاجأ جمهوراً اعتاد منه على قوالب وأساليب أخرى. يعود عمر إلى الجسد في حالاته الأولى، مفككاً حركاته، مجرّداً اللغة إلى عناصرها الأولى، باحثاً عبر تفاعل الحركة والصوت، عمّا يكمن خلف «الهويّات القاتلة»، أو عمّا يحدد هذا الجسد الذي يتهجّى وجوده، حين تسقط عنه آخر سبل التصنيف الجغرافي والإتني والديني والأيديولوجي.
هل يمكن أن نعرى من هويّتنا؟ أن نرتقي إلى إنسانيّة مجرّدة، إلى لغة كونيّة؟ الجسد يتخبّط بحثاً عن الخلاص مما يكبّله، وعن تحقيق مرامه الصعب في التوازن والانسياب والتناغم، أمام جدار من البروجكتورات المسلّطة إلى الصالة، تحاكي الصوت والحركة، وعلى إيقاعات بابلو بالاسيو. لا يخلو سولو عمر راجح من الجرأة. فهو يظهر من دون المجموعة التي يحسن إدارتها، خارج الزخرفة والمسرحة والنص والاختراعات البصريّة التي تحمي الراقص وتغلّف الكوريغرافيا. يخاطر في مطّ الزمن حتّى الضجر. لا شيء هنا إلا الظلام والاختلال والتفكك والحالات البدائيّة، والتخبّط الهستيري لبلوغ المعنى. يتلاعب الفنان اللبناني على حبل رفيع. يغامر بكشف نفسه وأدواته، لحظة بحث المفاصل عن حدّ أدنى من الانسجام، والجسد عن طاقة كافية لإعادة التشكّل (الولادة) أمامنا. يذكّرنا هذا العمل بمغامرة أخرى لعمر قبل سنوات، أفضت به إلى المأزق نفسه، وكانت بعنوان «استمناء ذهني» (2004). أليست مهمّة المبدع أيضاً أن يدير ظهره أحياناً للجمهور، ليواجه الهاوية؟
الجزائريّة نصيرة بلعزّة عادت إلى بيروت لتقدّم عملها الجديد الذي يحيل عنوانه «الزمن المختوم» إلى نص مرجعي للمعلّم الروسي أندريه تاركوفسكي. قد تكون الإحالة عابرة، لأن شغل تاركوفسكي على الزمن السينمائي، لا يتقاطع بوضوح مع شغل بلعزّة على الزمن الكوريغرافي، الدائري، القائم على التكرار التصاعدي، والرتابة المخدّرة، وصولاً إلى الذروة. كما في عملها السابق «صرخة» (2008)، تبني الراقصة عملها على جملة موسيقيّة مكررة بحدّة إيقاعيّة وصوتيّة متزايدة، تتقاطع وتندمج مع جمل أخرى مشابهة. من بطء الـ«بوتو» والـ«بريك دانس»، إلى الحركات الدائريّة المنفلتة المستقاة من منطق الذكر الصوفي، تلعب بلعزّة (وأختها وراقص ثالث) على فكرة الامحاء والزوال. هذه المرّة الحركات الدائريّة تكسّرت، وباتت أقل انسياباً وتناغماً مما كانت عليه في «صرخة» . لكن المبدأ الكوريغرافي الذي ميّز تجربتها السابقة لم يتغيّر. وسط الخشبة الفارغة، ترسم الذراعان خطوطاً في الهواء، وينحني الجسد ويترنّح باحثاً عبر لغة متقشفة: عن مكانه الثقافي والوجودي والأنثوي في الفضاء. هذا الجسد الذي يسعى إلى معانقة غيابه وزواله، لا يبقى منه في النهاية إلا دعسات كوريغرافيّة عابرة في هذا الظلام المديد.
وأخيراً رضوان المؤدب. الراقص والممثّل والكوريغراف التونسي جاءنا هذا العام، مع عمله الجديد «ما نحن عليه»، بواحدة من مفاجآت المهرجان. إنّها المرّة الأولى التي يحرّك فيها رضوان مجموعة راقصة على الخشبة. منذ ولادته الثانية راقصاً (هو في الأساس من الوجوه البارزة في المسرح التونسي)، عرفناه عبر أعمال سولو، ألّفها وصمّمها ورقصها منفرداً، وتمحورت بحميميّة حول جسده وشخصيّته وهواجسه. ذلك المنحى بلغ ذروته مع «ثمّة أحد سيرقص» (2009)، عمله المبنيّ على فيلم ـــــ قصيدة لجان جينيه بعنوان «أغنية حبّ».
عرض «ما نحن عليه» يذهب إلى منحى مختلف تماماً، مع خمسة مؤدين (رجلان وثلاث نساء). يشتغل المؤدّب على التقتير في الرقص، وسط تسكّع متواصل في الفضاء، لأجساد تبحث عن مكانها من الآخر، عن دورها بالنسبة إلى المجموعة. وبين الحين والآخر، في اقتصاد وتقشّف مدهشين، تنفجر بعض الحركات الراقصة، تفلت سهواًعلى وقع التشيلو والبيانو، قبل أن يطغى مجدداً النثر الهندسي الذي يعيد تشكيل الخشبة باستمرار، تبعاً لقوى خفيّة طالعة من علاقات الأجساد في تنافراتها وتجاذباتها وتصادماتها العنيفة. العمل عن محاولات الاتصال بين الأفراد الذين تحرّكهم حالات إنسانية مختلفة ... تقوم الكتابة الكوريغرافيّة على مجموعة مشاهد متأرجحة بين حركة «عاديّة» وجمود فوتوغرافي، تربط بينهما كثافة دراميّة مستترة.يبلغ رضوان درجة من الشعريّة والغنائيّة في رؤياه المتماسكة على هشاشتها المقصودة. لا يخشى الانطلاق من اللغة اليوميّة، وصولاً إلى لحظات الذروة التي تطبعها ابتكارات بليغة. نذكر هنا مشهد القُبل مثلاً، أو مشهد الراقص الذي يرقص فجأةً على خشخشة قدمي زميلته الزاحفتين على أرض المسرح ... أو تلك اللحظات السحريّة التي يتمايل فيها جسد راقصين ثم ثلاثة فأربعة، أو ترتفع ذراعان، كل منهما لراقص، بشكل متواز ومنسجم ومباغت الى الأعلى. المفردات الراقصة بالمعنى الحرفي نادرة، تبدو نقاطاً مبعثرة علينا جمعها بنظرنا وحواسنا، لمحاولة الوصول إلى الشكل المجرّد. إنّها تجربة ستبقى في سجلّ الرقص العربي المعاصر.

«في مواجهة الصفحة البيضاء» لعمر راجح: مساء اليوم وفي 29 نيسان (أبريل) الحالي، ضمن عروض «نقاط لقاء6».




تحدّيات مستقبليّة

نجاح تجربة «الملتقى العربي» وتراكم إنجازاته يطرحان للمستقبل تحدّيات جديدة على سياسة البرمجة. فقد بات مطلوباً توسيع رقعة اهتمام BIPOD لاكتشاف تجارب عربيّة غير واردة بالضرورة على مفكّرة الشركاء الأجانب ... وتقديمها إلى جانب أسماء رائجة مثل الجزائريّة نصيرة بلعزّة أو التونسيّة هالة فطومي اللتين تأتي أعمالهما من فرنسا، حيث تُبدَع وتُنتَج وتقدّم للجمهور.