تذكّرنا يمنى العيد بذلك النوع النادر من النقاد الذين مزجوا بين الطابع الأكاديمي لمنهجياتهم النظرية، والروح النقدية الحديثة المرافقة لحركة الأدب وتغيراته المستمرة. الصرامة الأكاديمية التي غالباً ما تبقى حبيسة جدران الجامعات، وتتبدى على شكل منهجيات تشريحية باردة، تتخفّف في ممارسة يمنى العيد عبر احتكاكها بالحيوية الناشئة من متابعة ما يجري في النصوص.


بدأت الناقدة اللبنانية مسيرتها بأبحاث لافتة تنقِّب عن الوعي الاجتماعي داخل التاريخ والأدب، وخصوصاً، في كتابها «الدلالات الاجتماعية لحركة الأدب الرومنطيقي في لبنان» (1979). ثم جاء كتابها الانعطافي «في معرفة النص» (1983) ليفتح نبرتها النقدية على مقاربات متعددة للنص الأدبي. مارست العيد النقد بوصفه قراءة مفتوحة، وغير مقيدة بمنهجية وحيدة. قراءةٌ رفدت ممارستها النقدية بنضارة قادرة على مواكبة المستجدات التخييلية والأسلوبية في أيّ نص أدبي تتناوله. هكذا، درست في مؤلفاتها أعمالاً شعرية وروائية مختلفة، غير مكترثة إن كان أصحابها مكرّسين أو شباناً. بالنسبة إليها، كانت قراءة الدلالات والإحالات التي تقدمها النصوص هي الأهم.

في الأثناء، رسمت صاحبة «الكتابة: تحوّلٌ في التحول»، ما يمكن أن نسميه مساراً نقدياً خُصِّصت معظم محطاته للرواية والسرد، وأقلها للشعر. لكنها برعت في إضاءة علاقات جديدة بين طموحات النص وتغيرات الواقع، واشتقَّت مصطلحات ومفاهيم لائقة نظرياً وتطبيقياً بنبرتها المنحازة إلى النص. هكذا، اهتدت إلى مصطلح «المرجع الحي»، الأكثر تعقيداً وتشعباً من مصطلح «الواقع» العائم على تاريخ طويل من سوء الفهم مع النص. «المرجع الحي» حرَّرها من فكرة أن الأدب انعكاس مباشر للواقع. لم تُدِر الناقدة ظهرها كلياً للواقع، لكنها انتقلت «من سؤال: ماذا أقول؟ إلى سؤال: كيف أقول»، بحسب تعبيرها. لم تعد الأولوية النقدية للعلاقة البسيطة بين الشكل والمضمون. صار النص مفتوحاً على تأويلات بعدد قراءاته المختلفة.
في كتابها الجديد «الرواية العربية ـــــ المتخيَّل وبنيته الفنية» (دار الفارابي) تعرِّض الناقدة اللبنانيّة فكرة المرجع الحي لمساءلات إضافية، عبر تناولها عدداً من الروايات اللبنانية والعربية منظوراً إليها منفردةً أو داخل سياقات معينة. يضم الكتاب أبحاثاً وعناوين متنوعة، تشترك في هاجس البحث عن أثر الواقع المعيش، أو المرجعية الحية في البنية الدلالية والفنية للأعمال المدروسة. قد يكون المرجع الحي «مهمّشاً» في دراستها لرواية «وردية ليل» لإبراهيم أصلان، أو «مدمراً» في روايات الحرب اللبنانية. هو المجتمع المصري قبيل هزيمة يونيو في «ميرامار» لنجيب محفوظ، وهو المسألة الطائفية والعنف كما ظهرا في الرواية اللبنانية، وهو القضية الفلسطينية في المتخيّل السردي العربي...
العناوين العامة في الأبحاث السابقة تصبح أكثر كثافةً وخصوصيةً في إضاءة عناصر محددة في بعض التجارب الروائية. نقرأ مثلاً عن «مفهوم الجسد في أعمال غالب هلسا»، وإشكالية «الأدب النسائي» في تجارب عدة مثل: سحر خليفة، ورضوى عاشور، وأحلام مستغانمي، وعلوية صبح، وعالية ممدوح، واستثمارات «السيرة الذاتية» في المتخيل الروائي، وعلاقة الأنا بذاته وبالآخر، وعلاقة «الرواية بالتاريخ»، قبل أن يُختتم الكتاب بـ «سؤال المستقبل» المطروح على الرواية الراهنة. وهو السؤال الذي لم تكفّ الرواية العربية عن طرحه، بحسب المؤلفة، من خلال التجريب المستمر والبحث عن ممكنات سردية وتقنية مختلفة للمرجعيات الحية التي تعوم فوق طبقاتها. ولعل تناولها لـ «المشروع الروائي لربيع جابر» هو خير تجسيد لهاجسها في مواكبة التجارب الروائية العربية الجديدة، من خلال قراءة نقدية حيوية لواحدة من أغزرها. لا يمكن تلخيص الممارسات الذكية والمرنة التي تُخضع لها الأعمال المدروسة في الكتاب. تشتغل يمنى العيد ضد القناعة البديهيّة السائدة بأن الناقد هو سلطة عليا، فتمنح النص استقلالية كاملة في قول حكايته اللصيقة بمرجعيات واقعية، لكنها لا تختزل الواقع في مرآة صافية وثابتة.
تتجول يمنى العيد بين روايات كثيرة، لكن ذلك لا يُخفي الخيط النقدي الذي يجمع هذه القراءات، والمتمثل في تعزيز المذاق الطليعي لمصطلح «المرجع الحي» وخلق بيئات محلية له. ممارسةٌ كهذه تجد تبريرها في إنكار المؤلفة وجود أصول أو تقاليد عربية لفن الرواية، واعتراضها ـــــ في الوقت نفسه ـــــ على كون الرواية العربية محاكاةً عمياء للرواية في الغرب.
الناقدة التي تربّت على تراث الحزب الشيوعي وتجارب اليسار، لا تزال مخلصة للواقع من دون أن تتعسّف في قراءة هذا الواقع، كما فعل نقاد يشاركونها التربية الفكرية ذاتها. «منذ بداياتي، كنت أتحدث عن الوعي الاجتماعي لا عن الواقع وانعكاسه»، تقول صاحبة «تقنيات السرد الروائي». وتضيف: «لقد حرصتُ دائماً على أن لا أقع أسيرة قراءة تُفقر النص الأدبي لصالح الواقع».
بطريقة ما، يبدو كتابها حصيلة استثمارات مختلفة. الافتراق الذي تعلنه عن باختين في المقدمة، لا يُخفي عنا حوارها غير المعلن مع أسماء أخرى مثل: بارت وتودروف وغولدمان. كأن الكتاب يُضيء رحلتها النقدية المميزة بمفعول رجعي.