من تابع الندوة التي أقامها «مركز دراسات الوحدة العربية»، أخيراً تحت عنوان «العقلانية والنهضة: في مشروع محمد عابد الجابري»، وجد نفسه على موعد مباشر مع فكر الراحل الذي أُشبع تحليلاً وتأويلاً. 23 باحثاً من مختلف الدول العربية، تحدثوا عن إرث الجابري، منهم حسن حنفي، وعبد الإله بلقزيز، والناقد الأدبي فيصل درّاج. على مدى يومين، ناقش المشاركون إشكالية التراث والحداثة والابيستيمولوجيا عند المفكر المغربي الراحل. كذلك خُصّص بحثان عن العمل الأخير للجابري «تفسير القرآن الكريم» بأجزائه الثلاثة.


وقد لاحظنا للأسف أن بعض الأبحاث طغت عليه أساليب مكرورة وسردية، تسهب في مدح «العبقرية الجابرية».
أستاذ الفلسفة في جامعة القاهرة حسن حنفي، عمل على إبراز العلاقة بين «السياسة» و«الأخلاق» عند الجابري. يوافق حنفي على وجود رؤية ثقافوية في «العقل العربي»، لكنه لم يتناول الخلفية التاريخية السياسية لشخصية الجابري. فقد رأى أنّ «العقل في مشروع نقد العقل العربي هو المنتج الثقافي. لذلك يكون لفظ «الفكر» أو الثقافة أفضل من العقل». أما بالنسبة إلى لفظة عربي، فهي «وصف للمنتج الثقافي لا للعقل البشري، كما روّجت النظريات العنصرية في القرن التاسع عشر». وخلص المفكّر المصري إلى أنّ «رؤية العربي الثقافية هي رؤية الأعرابي البدوي، وجمعها الأعراب الذين يصفهم القرآن بأنّهم أشدّ كفراً ونفاقاً».
أستاذ الفلسفة في جامعة الحسن الثاني في المغرب، عبد الإله بلقزيز، رأى من جهته أنّ «العقل العربي جملة من الآليات المعرفية التي بواسطتها يعي الأشياء». ولفت الباحث المغربي إلى أنّ أهمية النقد تأتي على مستوى «الفرضية العلمية الضرورية لتستقيم أوضاع الوعي العربي». وفي بعض النقاشات الشفهية، وضع بلقزيز الجابري في مصاف «المحرك الفكري وراء الربيع العربي»! لكن ردّ الباحث عبد المجيد الشرفي على بلقزيز، وضع الجابري على مشارف... النزعة العنصرية، إذ رأى في قول الجابري إنّ «الإنتاج الفكري والثقافي العربي ذو خصوصيات تميّزه عن الشعوب الأخرى، ولا سيما الفُرس...»، نظرة عرقية ذات أساس إيديولوجي.
تحدث الناقد فيصل دراج عن الانصراف «المتأخر» الى التراث الذي قام به الجابري بين آخرين. ورأى في ذلك اعترافاً بالهزيمة، «أجاء ذلك من الجابري أم من الماركسيين الذين لم يكتشفوا أهمية التراث إلا بعد هزيمة 67». في رأي دراج، فإنّ هجوم الجابري على «المركزية الأوروبية ليس إلا دفاعاً عن «مركزية التراث». إنّه شيء قريب من الاسترجاع الوهمي للماضي الذي هو اغتراب عن التاريخ، بمعنى ما، أو من «قدرية الوهم الاسترجاعي» تسويغاً لخصوصية ما».
إلا أنّ النخبوية السبعينية المتوحّدة في قاعة المؤتمرات في الفندق البيروتي، كانت مهزومة، تضع لذاتها، وهماً، خارج التاريخ العالمي. بعض المشاركين غفوا بالفعل خلال جلسات المؤتمر، ولم يكن هناك من نقاش فعلي خارج مداخلات المشاركين. نقول ذلك خصوصاً أنّ الأبحاث المناقشة اعتمدت في الغالب على أساليب ومناهج «مزاجية»، أكثر منها علمية، وبعيدة كلّ البعد عما يكتب اليوم في حقول معرفية أخرى كالانثروبولوجيا التي لم يشر إليها أيّ بحث في المؤتمر.
تجدر الإِشارة إلى أنّ «مركز دراسات الوحدة العربية» تفرّد بنشر جميع كتب المفكّر المغربي الراحل. وبحسب رئيس المركز خير الدين حسيب، «تمثّل كتب الجابري وحدها أكثر من 20 في المئة من مبيعات المركز كل سنة» في العالم العربي.