في كتاب «رياض الصلح في زمانه» (دار النهار)، يحار القارئ بين أن يستسلم للكرونولوجيا الزمنية المتتابعة لسيرة رياض الصلح كما تعقَّبها الكاتب والمؤرخ أحمد بيضون، وبين أن يتلذذ بالمذاق الأسلوبي والثراء المعجمي الذي أُنجزت بهما هذه السيرة. الكتاب مكتظ بتواريخ وأسماء ومحطات أسهمت في صنع مسار رجل سياسي من طراز رئيس الوزراء الذي انطبع استقلال لبنان باسمه، وأسماء عدد من مجايليه. لكنّ واضع سيرته لا يكفّ عن دسِّ نبرته المتفرّدة في طيات الكتاب. لعلنا لا نجد الحمولة البيانية الكاملة التي سبق له أن أمتعنا بها في مؤلفاته السابقة، لكن جملة بيضون الحالية لا تزال تطفو على ذاك الاحتياطي الفاخر الذي عهدناه في كتابته.

تدفع المادة التوثيقية الغزيرة صاحب «ما علمتم وذقتم» إلى التخفف من ميله إلى الاشتقاق والتوليد والتفقّه في اللغة، لكنّ متانة جملته حاضرة ونضرة. مادة الكتاب وجملة الكاتب، تتناوبان على حيازة إعجاب القارئ. تناوب يمكن الزعم أنّه مبدأ جوهري في خطة تأليف الكتاب. بطريقة ما، حظي الصلح بكاتب سيرته المثالي، وحظي بيضون بفرصة مثالية لتقريظ إحدى أقرب الشخصيات السياسية اللبنانية إلى مزاجه الفكري والثقافي. ذهب بيضون إلى زمن الصلح كي يتخاطب من خلال سيرته وصراعات عصره مع الراهن اللبناني والعربي. المقارنة بين الزمنين مطوية بعناية في ثنايا الكتاب الذي يمكن عدّه نقداً مبطناً للسياسة اللبنانية في طبعاتها التي تلت مرحلة الاستقلال التي كان الصلح أبرز رجالاتها.
أمضى بيضون بصحبة الصلح 15 سنة في جمع مادة الكتاب وتوثيقها، مجارياً شذرات السيرة التي يؤلّفها بذكاء الباحث وحساسية المحقق، ومضاهياً كاريزما صاحب السيرة بجزالة لغته وفصاحتها الأخاذة. هناك ندّية واضحة تسري بين السيرة وطريقة إنجازها. كأنّ صاحب «كلمُن» وضع نفسه أمام تحدّيين: الأول يقضي بكتابة سيرة دقيقة ومتكاملة لرياض الصلح، بينما سعى في الثاني إلى توفير نوع من الإعجاز أو الكمال لصنيعه.
قسم المؤلف الكتاب إلى قسمين: في «السياق»، يعرض ملامح عصر رياض الصلح، ويروي وقائع ومحطات أسهمت في تكوين وعيه السياسي. وفي «الموضوع»، سردٌ لملامح ووقائع سيرة الرجل الشخصية والأدوار التي أدّاها في حياته. الإخراج الطباعي للكتاب جعل القسمين يتتاليان على الصفحة الواحدة، بحيث يكون الحاضن التاريخي حاضراً إلى جوار تفاصيل السيرة التي حدثت فيه، إضافة إلى ملاحق ضمت عدداً من مقالات الراحل، وبيانات وزاراته، ومراسيم تأليفها وقصائد في الهجاء والمديح، وكلمات قيلت في تقريظه ورثائه.
تجاور السياق التاريخي مع منعطفات السيرة يمنح الكتاب مساحة تاريخية واسعة، تمتد من انحلال الإمبراطورية العثمانية وبدايات الثورة العربية الكبرى، إلى اغتيال الصلح في الأردن سنة 1953. هكذا، تسير وقائع السيرة جنباً إلى جنب مع حقبة تاريخية شهدت نشوء العالم العربي في صيغته الحديثة التي أدت فيها الاحتلالات والانتدابات دوراً أساسياً في وضع حدوده وأشكال الحكم فيه. هناك تركيز مبرر على الأوضاع التي سادت في سوريا الطبيعية والعراق في تلك الحقبة، وخصوصاً بعد نشوء دولة لبنان الكبير والسجالات الاستقلالية بين سوريا ولبنان، حتى نهاية الانتداب الفرنسي...
ويعرّج الكتاب على تطورات القضية الفلسطينية، من وعد بلفور حتى قرار التقسيم وقيام دولة إسرائيل وحرب الإنقاذ. وهي الفترة التي شهدت صعود نجم رياض الصلح سياسياً محنكاً، ومجاهداً صلباً، ومفاوضاً مقتدراً تجاوز لبنانيته إلى فضاء عربي أوسع، قبل أن يقدم شعار الاستقلال على شعار الوحدة.
لا يمكن اختزال سيرة رياض الصلح من دون قراءة الكتاب، لكن المؤلف غالباً ما يقرن توثيقه للأحداث بصفات صاحب السيرة وطبائعه ومواقفه. هكذا، نستنتج أن جزءاً كبيراً من سمعة الصلح المرموقة منبعثة من روحه الحديثة والمدينية، على العكس من أغلب الزعامات اللبنانية الجبلية والريفية. حداثة جعلته ميالاً إلى الاعتدال والبراغماتية السياسية، وقرّبته من بيئات وشرائح شعبية ومثقفة، ومنحته زعامة عابرة للطوائف إلى حد ما. وربما كان الصلح أول وآخر رئيس وزارة تمتع بنفوذ كبير وصلاحيات واسعة، قبل أن تنتقل تلك الصلاحيات إلى رئاسة الجمهورية، ثم تُسترد منها في اتفاق «الطائف». يمتدح المؤلف الصفة التسووية لرياض الصلح. كأن الروح «الصُلحية» في كنية الرجل وجدت ترجمة قدرية في مرونته السياسية، وقدرته على تحقيق الأهداف من دون التفريط بالمبادئ الجوهرية. رغم ذلك، لم تُنجه هذه الميول من السجن والنفي... ومن الاغتيال في النهاية. سيرة رياض الصلح هي السيرة القلقة لنشوء لبنان نفسه. توصيفٌ يسمح لنا بإمرار فكرة اغتياله على معظم فترات التاريخ اللبناني اللاحق. التاريخ الذي ظل محكوماً بالشك في استقلاله، والعجز عن الحفاظ على كيانيته لمصلحة مفهوم «الساحة» التي تتلاعب بها أهواء القوى الإقليمية والدولية ومصالحها. داخل هذه الحصيلة، يختتم بيضون كتابه بأن الصلح كتب في بيان حكومته الثالثة أننا «أنشأنا الدولة وبقي علينا إنشاء الوطن»، بينما «دأبنا في العقود التي تلت رحيله على رفع هذا الشعار مقلوباً».