ينتابك شيء من التهيّب أمام «رياض الصلح في زمانه». ليست ضخامة الكتاب وحدها وراء ذلك الإحساس ـــــ بالجهد البحثي ثم التحليلي النقدي التأليفي الذي تطلّبه، والجهد الفنّي الإخراجي الموازي ـــــ بل أيضاً كثافة مادته الوثائقيّة الثمينة، وهندسته المبتكرة (مستويان سرديّان متشابكان على الصفحة نفسها، ما يعيد إلى الأذهان تجربة مختلفة هي ديوان أدونيس «الكتاب»)، وتشابك مواضيعه وأزمنته وأمكنته وشخصياته وأحداثه. كلّها تتمحور حول شخصيّة واحدة، رؤيويّة، غنيّة، إشكاليّة، رومنسيّة ربّما في جانب منها. شخصيّة استثنائيّة في التاريخ اللبناني. هكذا تبدو للمؤلّف على الأقلّ، إذ تمارس عليه ـــــ وعبره على القارئ ـــــ غواية غريبة ومثيرة.

رياض الصلح هو في نظر بيضون نموذج السياسي المحترف ورجل الدولة، بل نموذج «اللبناني» لحظة ولادة تلك الهويّة وتبلورها بين خيارات أخرى: تلك «الكذبة التي صارت زلمة»، كما «راجح» الرحابنة في «بياع الخواتم». يتعقّب المؤرّخ بطله في رحلة أركيولوجيّة إلى أعماق ذاكرة «الجمهوريّة المتقطّعة» التي استحوذت على جهده مفكّراً وباحثاً، بتناقضاتها وعرقوب أخيلها المزمن. يفعل ذلك بشغف أدبي جارف. هذا المشروع الطويل النفس يختصر الخطاب الفكري الذي طبع كتاباته، من التأريخ إلى الشعر. كتاب أحمد بيضون عمل إبداعي بامتياز، رغم (بسبب) كميّة المواد المتفجّرة التي يتعاطى معها. ما إن تعبر عتبته حتى تأخذك سلاسة السرد، ومتانة الحبك، وجذل اللغة، ودقة المفردات، وديناميّة النص، وطواعيّة المعنى. هذا البحث العلمي الهائل هو نص «ذاتي» أيضاً. ولا بأس من أن يقرأ ككتاب أدب. لقد سقط حاجز التهيّب في النهاية.