كان | منذ اللحظة الأولى لإعلان برنامج الدورة الـ64 من «مهرجان كان»، اتضح للنقاد أنّها ستكون مسيّسة، وهكذا كان. منذ الافتتاح يوم الأربعاء، بادر المايسترو برناردو بيرتولوتشي إلى إطلاق سهام النقد السياسي، مهدياً سعفته الفخرية إلى «كل من لا يزالون يمتلكون القدرة في إيطاليا على مقاومة البيرلوسكونية». من جهته، أثار وزير الثقافة الفرنسي فريدريك ميتران، خلال الافتتاح أيضاً، موجةً من النقد والسخرية، إذ حرص على السير على البساط الأحمر محاطاً بكوكبة من الفنانين التونسيين الشباب، واصطحب معه النجمة كلوديا كاردينالي التونسية الأصل، ما دفع الصحف الفرنسية إلى التساؤل عمّا إذا كان الوزير يحاول بهذه اللفتة ممالأة شباب «ثورة الكرامة» في تونس


، لعلّه يمحو من الأذهان صلاته الملتبسة بالنظام التونسي المخلوع، علماً بأنّ زين العابدين بن علي منحه الجنسية التونسية وقلّده وسام الاستحقاق الثقافي!
الجدل السياسي رافق أيضاً التظاهرة التي يعتزم المهرجان تخصيصها لـ«ثورة 25 يناير». مع إعلان 18 أيار (مايو) «يوم مصر في كان» بوصفها ضيف شرف المهرجان، تبيّن أن برنامج التظاهرة التكريمية يتضمن فقرة مثيرة للجدل: عشاء رسمي يقام تحت إشراف وزارة الثقافة المصرية بالتنسيق مع سفارة مصر في باريس، حيث يعتزم السفير ناصر كامل إلقاء كلمة رسمية باسم الدولة المصرية، لشكر المهرجان على احتفائه بـ«ثورة النيل»، ما أثار نقمة «شباب الثورة» من المصريين المقيمين في فرنسا، الذين ذكّروا بأن السفير الحالي عيّنه حسني مبارك عام 2006. كذلك فإن شريطاً صُوّر من هاتف خلوي خلال اعتصامات شباب الثورة أمام السفارة المصرية في باريس، وجرى تداوله على «يوتيوب»، يبيّن أن مواقف السفير كانت معادية جداً لـ«التغيير». وحيال تمسّك السفير بتمثيل مصر في العشاء الرسمي للمهرجان، قام 17 ناشطاً من «شباب الثورة»، منذ أيام، باقتحام مكتبه في سفارة مصر في باريس واحتجزوه لساعات، مسبّبين أزمة دبلوماسية أدت إلى تدخل القوات الفرنسية الخاصة لإخلاء السفارة. ويُرتقب أن يتجدّد هذا التجاذب على الكروازيت في الأيام المقبلة.
على صعيد الأفلام، اتّسمت الأعمال التي دخلت السباق على «السعفة الذهبية»، خلال الأيام الثلاثة الأولى من الدورة، بسطوة كاملة لـ«سينما النساء» من خلال مشاركة أعمال لأربع سينمائيات في المسابقة الرسمية. بعد عرض ثلاثة منها، بات السؤال الذي يشغل الكروازيت: هل تتمخض هذه الدورة عن سعفة نسوية ستكون الثانية في تاريخ المهرجان، بعد سعفة جاين كامبيون («البيانو» ـــــ 1993)؟
يجمع بين الأفلام النسوية الثلاثة، وهي «الجميلة النائمة» للأوسترالية جوليا لي، و«يجب أن نتحدث عن كيفن» للإسكتلندية لين رامسي، و«بوليس» للفرنسية مايوان، أنّها تحمل نبرة نضالية تنتصر للنساء، لكنها تتباين جذرياً على صعيد الأسلوب واللغة السينمائية. يروي «الجميلة النائمة» قصة طالبة تتقلب بين المهن الصغيرة، وينتهي بها الأمر في شبكة دعارة. Polisse يتناول تيمة مشابهة عبر تصوير يوم في حياة شرطة الآداب الفرنسية. لكن جوليا لي اختارت منحى شكلانياً وجمالياً منح الفيلم نوعاً من «الإيروسية الباردة والمنفرة» على حدّ تعبير المفوض العام للمهرجان تييري فريمو، بينما فضّلت مايوان أسلوباً أكثر توتراً، يقارب التحقيق التلفزيوني، من خلال الكاميرا المحمولة على الكتف، والإيقاع السريع الذي يميز أعمال هذه المخرجة التي تنحدر من أم فرنسية وأب مهاجر جزائري. أما فيلم لين رامسي، فيسلّط الضوء على العلاقة الإشكالية بين أم وابنها المراهق. وقد أبدعت النجمة تيلدا سوينتون في تجسيد معاناة الأم. وأجمع رواد الكروازيت على أنّ جائزة أفضل ممثلة ستكون من نصيبها... إلا إذا حملت الأيام المقبلة مفاجآت نسوية أخرى!