القاهرة | تبدو مهمّة الحكومة المصريّة اليوم، في الفترة الانتقاليّة التي تمرّ بها مصر، أشبه بإطفاء النيران وتسكين الأمور، ريثما ينتخب رئيس جديد. ويبدو التعاطي مع ملفات الثقافة والإعلام، بعيداً عن الواقع الجديد الذي فرضته الثورة، بل إن الممارسات الرقابية على التلفزيون المصري مثلاً، تترك انطباعاً واسعاً بأننا ما زلنا نعيش في العهد البائد. فقد اتصل سامي الشريف رئيس «اتحاد الإذاعة والتلفزيون» بكونترول برنامج «شارع الكلام» على «قناة النيل الثقافية»، طالباً وقف البرنامج الذي كان يستضيف المرشحة لرئاسة الجمهورية بثينة كامل، التي وصفت الإعلام المصري الآن بأنه «أسوأ من عهد مبارك»! وهذا مثال علني من أمثلة أخرى كثيرة. وزارة الثقافة ليست أفضل حالاً. أول الغيث الرقابي، حملته تصريحات رئيس «البيت الفني للمسرح» محمد علي. فقد رأى الأخير أنّ عروضاً مثل «دعاء الكروان» لطه حسين، تخدش الحياء العام، وبالتالي لا يجوز عرضها على مسارح الدولة. وأعلن أنّه سيقرأ بنفسه كل العروض حتى بعد عرضها على لجان القراءة! لم يستغرب المسرحيون تصريحات رئيس «البيت الفني» وخصوصاً من عملوا معه في السابق. بل كان المستغرب تعيينه أساساً في منصبه، هو المعروف بتبنّيه مفهوماً رجعياً للتراث، إذ يراه شيئاً مقدّساً، لا تجوز إعادة قراءته أو تأويله مسرحياً.

آخر إنجازات محمد علي كانت رفضه إعادة تقديم مسرحية «تاجر البندقية» للمخرج الشاب محمد عمر عن شكسبير، بحجة «أننا في ثورة، ويجب التهدئة مع إسرائيل حتى لا تفهم أنّنا ضدها!» (إشارة إلى شخصية التاجر اليهودي شايلوك التي يتمحور حولها النصّ). هكذا، صارت هيئة المسرح معنيّة بالحرص على عدم خدش «مشاعر» إسرائيل، إضافة إلى «مشاعر» العائلات المصريّة، و... «مشاعر السلفيين». يا لها من ثورة!
هيئات وزارة الثقافة الأخرى، لم تقدم حتى الآن على ما يشير إلى أننا في مرحلة تغيير. حتى التحقيق في ملف مشروع «القراءة للجميع» لم تجره الوزارة، بل جرى عبر بلاغات من خارجها. وكشفت تلك البلاغات أنّ اللجنة العليا للمشروع كانت برئاسة سوزان مبارك، وعضوية صفوت الشريف، وأنس الفقي، وفاروق حسني، وإبراهيم المعلم، وأنّه جرى الاستيلاء على التبرعات الخاصة بالمشروع التي قدمتها جهات أجنبية تبلغ ملياراً ونصف مليار جنيه! وأفادت التحريات بأنّ صاحب دار النشر اتفق مع الفقي على استثمار هذه الأموال في شركات سمسرة، يملك جمال وعلاء مبارك أسهماً فيها، ما أدّى إلى جنيهم نحو ٢ مليار جنيه من الأرباح، بحسب صحيفة «المصري اليوم».
وقد يكون أهمّ الملفات الساخنة حاليّاً، على مكتب وزير الثقافة الجديد عماد أبوغازي، هو الفساد في الوزارة. بقاء عدد من المسؤولين في مناصبهم يطرح علامات استفهام كثيرة. والملفات الأخرى الملحّة، كثيرة ومتعددة ومتشابكة: هل إلغاء الرقابة من المبادرات التي سيطالعنا به الوزير؟ أو على الأقل البحث عن آليات جديدة لها غير قاتلة للفكر والإبداع؟ يتوقع المثقفون من عماد أبوغازي الآتي من قلب الثورة، قرارات ثورية... فسياسة الاكتفاء بإطفاء الحرائق لا تكفي، عدا أنّها لم تثبت نجاحها حتى الآن، بل إنّها أجّجت ألسنة اللهب، وفاقمت المشاكل في أجهزة الوزارة جميعها، وأعاقت حتّى الآن أي تقدّم في اتجاه التطوير الحقيقي.