أي عالم عربي سيولد من رحم الحركات الاحتجاجية؟ سيناريوات عديدة يمكن توقّعها من اللحظات التاريخية الكاشفة التي يمرّ بها العرب، لعلّ أهمها المتغيّر النوعي الذي أصاب الوعي الشعبي منذ تلقيه تداعيات الصدمة التونسية. في «ثورات القوة الناعمة في العالم العربي ــــ نحو تفكيك الديكتاتوريات والأصوليات» (الدار العربية للعلوم ناشرون) لا يتصدى علي حرب في بحثه لمآلات الحراك الثوري، بل يعمل على استقراء أهم مؤشرات «الثورات الناعمة». على وقع خروج الشعوب العربية من سجونها، يخرج صاحب «المصالح والمصائر ـــ صناعة المصالح المشتركة» بنتائج أوليّة، قوامها مركزية الفاعل الرقمي في بناء عالم افتراضي، أسقط أنظمة ويهدّد أخرى، مقابل تراجع الأنماط الثورية الإيديولوجية القائمة على نظرية القائد المنقذ.


ثنائية الأصوليات والديكتاتوريات التي تحكمت بمفاصل الأنظمة العربية، تواجه اليوم بـ«الإنسان الرقمي العربي» الذي يمثِّله جيل شبابي «من العاملين على الشيفرة الرقمية». هؤلاء الثوّار الجدد ينادون بمفاهيم كونية، أي الحرية والديموقراطية، وما عادت تغريهم اللوثة الإيديولوجية، بعد انفتاحهم التدريجي على عوالم جديدة، كشفت لهم عمق الأزمات السياسية التي أخرجت العرب من التاريخ، وأعادتهم إليه في حقبة لم يتوقَّعها الحكام ولا النخبة المثقفة التي تدعي امتلاكها للحقيقة، كما يلفت الكاتب.
يحاول حرب تفسير ظاهرة التماهي بين الثورات العربية. مع تأكيده خصوصية كل ثورة، إلّا أنّ هناك جامعاً مشتركاً هو «تثبيت الشعوب العربية» التي تمارس «وحدتها من غير ادعاء أو تنظير». يخلصُ الكاتب إلى فرضيّة أساسيّة: نهاية العقل التآمري وربما نكوص الإيديولوجية. لكنّ السؤال الملح يبقى: صحيح أن الحركة الاحتجاجية العربية لم ترفع شعارات تنظيرية، لكن كيف يمكن تفكيك الإرث الاستبدادي الآتي من البنى الثقافية والمجتمعية والدينية؟ ما يحدث في الوقت الراهن تحول جسيم في التاريخ، لكن علينا الانتظار قبل أن نحصد ثماره.
أي عصر جديد سيخطه العرب؟ لا يهدف حرب إلى تحديد خريطة الطريق المقبلة، بل يعمل على تأطير سمات التحولات الثورية، فهي بالدرجة الأولى مفاجئة وغير متوقّعة، ما يفتح الأبواب على قلب المنظومات الفكرية المؤدلجة. ثمّة مفتاح معرفي شديد الأهمية يتناوله الكاتب، ولو على عجالة، «نظام السوق سيؤدي إلى «ولادة الديموقراطية»». هذه النظرية التي أعلنها المفكر والاقتصادي الفرنسي جاك أتالي تُحيلنا على أطروحة الباحث الأميركي ذي الأصول الإيرانية ولي نصر، صاحب «صعود قوى الثورة/ نهضة الطبقة الوسطى في العالم العربي وانعكاساتها على عالمنا».
الثورات التقليدية انقضت بلا رجعة، ودعاة العقيدة السياسية أو الدينية، ما عاد لهم تأثير يذكر، وحتى الحديث عن شرق أوسط إسلامي، لا يصمد أمام الفرد الرقمي، حامل لواء الحريات والدولة المدنية، أي الدولة العالِمة. ينتقد حرب «فلاسفة العرب ومفكريهم»، وتحديداً أولئك الذين «يثيرون أسئلة النهضة ومشكلات الحداثة». ويستنتج أنّ الفاعلين العرب الجدد تجاوزوا هذه الطروحات؛ فهل تصبّ خلاصته في نبوءة الراحل محمد أركون مجترح مصطلح «ما فوق الحداثة»؟
ما يجري هو استكمال لدورة العرب النهضوية، أو ما أطلق عليه الفيلسوف ناصيف نصّار النهضة العربية الثانية. لكنّ المفارقة تتمثل في غياب التصنيف، فالثورات «ليست اشتراكية ولا ناصرية ولا جهادية». إنّها نتاج العولمة «وليبراليتها الجديدة». هذه النتيجة التي يعلن عنها حرب يدعمها بخلاصات فرانسيس فوكوياما صاحب «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، وهي تدعم الإشكاليات التي تحقق منها ولي نصر، الذي قال: «إنَّ السوق الحرة ستفتح الطريق لهزيمة التطرُّف، ما يعني تحقيق التحرر المجتمعي».
في قراءته الثانية للحدث الثوري العربي، يتوصل صاحب «خطاب الهوية» إلى إشارات مهمة، أولها: سقوط مقولة أن انهيار الديكتاتوريات سيؤدي إلى سيطرة الأصوليات، ثانيها، التحول في مزاج الإسلام الحركي، باتجاه سياق براغماتي لا يتبنى مقولة «الإسلام هو الحل»؛ ثالثها، تراجع الإيديولوجية الطوباوية. ورابعها نكسة المثقف جراء الفشل الذي أصاب طروحاته.
يقيم حرب تمييزاً بين الجمهور ــــ أي الطغمة الدهماوية المستلبة ــــ والشعب المكوَّن من «أفراد مستقلين لهم عقولهم». هؤلاء هم الذين قادوا الانتفاضات التي فعلت فعلها، عبر القطع مع الإرث الثوري الإيديولوجي/ الديني والسياسي الذي أكل صانعيه على قاعدة «أنّ الثورة تأكل أبناءها». الثورة الرقمية عنده «لم تأتِ من العقائد»، بل هي «ابنة العصر الرقمي بتقنياته ومعلوماته».
رغم أنّ أفكار علي حرب تبدو موجزة، لكن هناك مفاصل مهمة كشف عنها عشية إعداد العرب لرسم مجالهم الجيو سياسي، والقراءات التي ضمنها بحثه، تنتمي إلى المنهجية السوسيولوجية، الهادفة إلى تفكيك الظاهرة من دون طرح رؤى استشرافية، كما يفعل العديد من منظري العالم العربي.