«مهرة بنت عبيد، الأكثر حضوراً في السهرات واللقاءات. والأكثر خبرة في الحياة. مهرة التي طافت العالم وألّفت الكثير من الكتب. مهرة التي تعيش حياة بذخ من نوع ما، والتي عملت لسنوات طوال في أهم مؤسسة سياسية عربية»، هي اليوم بطلة سيرة روائية بعنوان «الحياة كما هي» (دار الآداب) للشاعرة الإماراتية ظبية خميس. صحيح أنّ مهرة بنت عبيد شخصية صنعتها ظبية خميس لتحلّ محلها وتروي سيرة حياتها «كما هي»، إلا أنّ الهدف من هذا لم يكن التمويه على الأرجح، بل تفادي المباشرة.

بطلة الرواية، تظهر على الدوام كأنّها وحيدة، تسبح عميقاً في رحم الحياة، بينما تعيش مع الآخر على الهامش، حتى في علاقاتها العاطفية.
«إنّني لا أستطيع تحمّل الحياة اليومية المستمرة مع الآخر... هنالك فترات لا بدّ أن تتركني فيها لوحدتي وإلا فإنّني سوف أكرهك». هي ليست خائفة بقدر ما تعد نفسها لتكون كما تريد لا كما يريد الآخر. الوحدة التي اتخذتها كقرار صارم، تحولت إلى متعة وحصن منيع يحمي أحلامها وتطلعاتها.
يتناوب السرد الروائي على نحو متلاحق في صوره وأحداثه، بين أميركا والقاهرة كمرحلتين أساسيتين من حياة البطلة. زارت الأولى لدراسة العلوم السياسية، والثانية للعمل حيث «المؤسسة القومية الكبرى» في إشارة إلى «جامعة الدول العربية» حيث عملت الكاتبة لسنوات. ورغم الفارق الزمني بين المرحلتين، إلا أنّ الانتقال السردي من مرحلة إلى أخرى يشوبه بعض الارتباك. وهناك مراحل أخرى تناولتها الرواية عن طريق «الفلاش باك» مثل طفولة البطلة التي عاشتها بين الإمارات وقطر، وتعدد زيجات الأم، وتعرّض الطفلة لعملية ختان، ثم ضغوط الأخوة والعائلة عليها تحت تأثير التقاليد حيناً، أو المعتقد الديني أحياناً أخرى، إضافةً إلى إشارات كثيرة للأحداث السياسية التي شهدتها المنطقة العربية.
طرحت الكاتبة ذلك من وجهة نظر محايدة، باستثناء موضوع العراق وحروبه؛ إذ تناولته بعاطفة كبيرة، ما أثَّر على البنية السردية وحياديتها. «وجوه كريهة تكرّر حضورها، تتحدث من البنتاغون، من قاعدة السيليّة في الدوحة، من مجلس الأمن، من البيت الأبيض، من الموانئ والمجالس الكويتية، وجوه تحاول إقناع العالم كلّه بقدرتها على إنجاز صناعة الموت والقتل، على الاغتصاب، وعلى رفع شعار التحرير والإرادة الإلهيّة...».
في روايتها، تفتح ظبية خميس النار على «جامعة الدول العربية» التي عملت فيها لسنوات طوال. في مكتبها «هناك اثنتان وعشرون نبتة، من نباتات الزينة، أطلقت على كلّ واحدة منها اسماً من أسماء الدول العربية، بعضها شاحب للغاية، وبعضها يكبر على راحته بغض النظر عن عنصرَي الهواء والماء». ثم تطرح مفهوم الثقافة من وجهة نظر السياسي العربي، فهي «كلب «كانيش» ناعم وصغير، يُقاد بسلسلة معدنية يجرّها مسؤول (...) ليعرضه على العامّة كلّما فشلت إنجازات السياسة، أو ليراه الغربيّون بالذات، وخصوصاً بعد موجة حوار الحضارات، والأديان، والثقافات». ولم تكتفِ بهذا، بل تذهب إلى كشف فساد وتلاعب بأوراق وجرائم ارتكبت تحت مظلة المؤسسة... «موظفو المؤسسة مشغولون بالسلف البنكية الكبيرة بالدولار، ومشاريع الشاليهات والقرى السياحية، وأنواع السيارات المعفاة من الضرائب (...) ومنهم من ذهب ليرأس بعثة واشنطن، ثمّ أعادته السلطات الأميركية لأنه غازل السكرتيرة فجأة، بأن هجم عليها وعضّ كتفها. أو الآخر الذي ذهب ليرأس مكتب بروكسل، فإذا به يتعرّض للقبض عليه والسجن لمدة عام بتهمة الاتجار بأطفال الصومال كأعضاء بشريّة حيّة بديلة في أوروبا».
كلّ ذلك حتى تصل إلى «رئيس المؤسسة، معاذ عيسى»، كما جاء في الرواية. تجلس قبالته في الطائرة وتقول له: «أريد أن أقول لك إنّ الكثير من الناس يحبونك ويحترمونك، لكنّكَ لن تكون جمال عبد الناصر.. والعرب لم يتعلّموا من تجربتهم خلال ألف وأربعمئة عام... وهم الآن لن يتعلموا أيضاً». يأتي هذا بعد فترة استلطاف متبادل بينها وبين الأمين العام كاد يتطور إلى علاقة خاصة، لولا دسائس فريق «كلاب الحراسة» من موظفين شباب.
مهرة بنت عبيد المنحدرة من عائلة خليجية، ظهرت أيضاً حانقة على أمراء الخليج، كأنّ التمرد هو الميزة الأساسية لشخصيتها. إلا أنَّنا نجدها بعد سيرة حياة حافلة بالدراسة والعمل والتأليف، تعلن وحدتها بنحو لا يثير الشفقة: «إنّ مهرة بنت عبيد وحيدة أكثر من أيّ يوم مضى...».