رام الله| في عرضها الأول، بدت مسرحيّة «في ظلِّ الشهيد» تجربة مغايرة، أو مجموعة تجارب. وبدا المسرحي الفلسطيني فرانسوا أبو سالم على خشبة «مسرح القصبة» (رام الله) كأنّه يسير على تخوم علم الأعصاب، والطب النفسي، والإيديولوجيا، والنقد السياسي... كلّ ذلك في مونودراما تستمر ساعتين داخل حجرة مستشفى. يحمل مؤسس «مسرح الحكواتي الجديد» عرضه إلى بيروت، ابتداءً من مساء اليوم. على مدى ثلاث ليالٍ متتالية، تعرض المسرحيّة على خشبة «مسرح المدينة»، وهي مونودراما من تأليف فرانسوا أبو سالم وباولا فونفيك، ومن إخراج أبو سالم وتمثيله.


قبل وصوله إلى العاصمة اللبنانية، عرض أبو سالم عمله في رام الله، وعلى خشبة «المسرح الوطني» في القدس، وفي «جامعة القدس». أحد واضعي أساسات المسرح الفلسطيني الحديث، كان من بين مؤسسي فرقة «بلالين» خلال سبعينيات القرن الماضي، ثمّ فرقة «الحكواتي» التي مثّّلت علامة فارقة في مسيرة المسرح الفلسطيني الحديث. بعد إقامة طويلة في باريس، عاد إلى فلسطين أخيراً، حيث عمل على تنشيط «مسرح الحكواتي الجديد». ابن الشاعر والطبيب الفرنسي، المجري الأصل، لوران غاسبار، والفنانة فرانسين غاسبار، يروي لنا أنّه كان «محبطاً» في باريس مطلع الألفيّة الجديدة. والسبب حالة الإنتاج المسرحي الفرنسي، لا على صعيد الجماليات فحسب، بل على صعيد المضمون أيضاً. تلك الحالة قادت الرجل الخمسيني إلى المعهد الطبي البيئي طالباً، وراح يدرس تقسيم الدماغ، وعلاقة كل منطقة بنوعيّة السلوك البشري، ومسيرة تطور العقل البشري. رأى أبو سالم أنّ ما يكشفه جهاز الرنين المغناطيسي من تغيّرات في الدماغ لحظة اتخاذ القرارات، يغري بعمل مسرحي. هكذا، بدأ البحث عن حكاية تحوّل هذا العلم إلى مسرحية، فكانت «في ظلّ الشهيد».
على المسرح، يُجري أبو سالم حواراً مع ذاته، ومع شخوص وهميّة، في إحدى ليالي العمل بوّاباً في مستشفى للأمراض العقلية. ذاك المستشفى كان ينبغي أن يدخله البوّاب طبيباً مختصاً في تطور سلالات الدماغ، لولا استشهاد أخيه الذي فجّر نفسه في حافلة في مدينة ناتانيا داخل الأراضي المحتلة عام 1948. وكان نبأ الاستشهاد نقطة تحوّل في حياة طالب طب الأعصاب، لينتهي به الأمر «في ظل أخيه الشهيد»، فاقداً القدرة على فهم خيار أخيه وسلوكه، ومردداً طوال عشرين عاماً ما استذكره من معلومات ليلة امتحانه النهائي... تلك الليلة التي مات فيها أخوه. يبدو حديث البوّاب مع الخيالات حوله كمحاضرة متقدِّمة في فهم أجزاء الدماغ، وتطور العقل البشري، مع إسباغ الطابع الشخصي على الشرح. فكل الأمثلة والدلائل تستقي مادتها من حياة البوّاب وتجربته. ويفرض الأخ الشهيد نفسه على شكل هلع وهستيريا تنتاب البواب أثناء حديثه، فيجهد للخروج من هذا الظل، لكنّه لا يفلح.
النص المركب، ومزج اللغة العلمية بالحوار والهذيان، يبدوان مغامرةً جريئة تقدِّم المعلومات بتبسيط بالغ، وبرمزية مكثّفة، تتقاطع مع الواقع. الانتقال من «عقل القطيع» إلى «العقل المبدع»، يعني، بحسب البوّاب/ البروفيسور، التخلّص من البقايا الحيوانية في الأدمغة البشرية، كما يحمل رفضاً للعلاقات القائمة على القوّة والقهر والتمييز والاضطهاد، وخروجاً من التبعيّة العمياء للزعيم أو الجماعة. تقترب أمثلة «المُحاضر» من النقد السياسي الصريح، مع تبنِّي رؤية علمية للتطور البشري من عقل الزواحف حتى العقل المبدع، مع بقاء ترسبات تلك العقول كلّها في الدماغ البشري، ويتسيّد العقل الذي نختاره نحن تفكيرنا وسلوكنا. هنا يكرر فرانسوا أبو سالم مراراً اقتباسه عن الفيلسوف الإغريقي إبيكتيتوس Epictetus «ليس العالم هو سبب معاناتنا، بل طريقة نظرنا إلى العالم حولنا». ويبقى سؤال البوّاب مفتوحاً: «أي دماغ يستخدمه الشهيد حين يقرِّر تفجير نفسه؟»





«في ظلّ الشهيد»: 8:30 مساء اليوم حتى 2 حزيران (يونيو) ــــ «مسرح المدينة» (بيروت). للاستعلام: 01/753010