«أنا ميداني»، يقولها أحمد أبو سعدة باعتزاز. المعنى هنا مزدوج، فهو ينتسب إلى حي الميدان الدمشقي العريق أولاً، وإلى ميادين حركات التحرر العالمية ثانياً. كان في الثامنة حين عمل صبياً في «استديو ملوحي» للتصوير في قلب ساحة المرجة. في هذا الاستديو اختلط بشخصيات مختلفة: ضبّاط، ويساريين، ومثقفين من مشارب مختلفة. كانت نكبة فلسطين، قد أرخت بظلالها للتوّ على أرواح هؤلاء المهزومين، فوجد نفسه مدفوعاً للانخراط في هذا الجو الحماسي الصاخب. انتسب إلى «الحزب الشيوعي السوري»، وهو في الثانية عشرة، ليكون أصغر عضو في الحزب. ريح الوحدة السورية ـــــ المصرية قذفت بطالب البكالوريا إلى سجن المزّة، ضمن حملة اعتقالات واسعة طاولت الشيوعيين آنذاك. قضى سنتين بين القضبان، قبل أن يفرج عنه وزير الداخلية عبد الحميد السراج برجاء من والدته التي اقتحمت مبنى الوزارة مطالبةً بابنها. عاد المناضل الشيوعي إلى استديو التصوير مجدداً، وازداد شغفه بالصورة، وإذا به يمتلك أرشيفاً ضخماً لشخصيات تلك الحقبة العاصفة وأحداثها، لكنّ هذا الأرشيف صودر لاحقاً.

ارتبطت عدسة أحمد أبو سعدة بالمواقع العسكرية، والأماكن المضطربة في العالم، إذ كان من القليلين الذين وصلوا الجبهة، عشيّة حرب حزيران 67. التقط مئات الصور لانسحاب الجيش، وسقوط مدينة القنيطرة، ودمار الطائرات الجاثمة في مطار المزّة، إثر غارة إسرائيلية. قبل هذا التاريخ بقليل، كان عليه أن يتَّجه إلى سجن المزة، لتوثيق لحظة إعدام 17 ضابطاً، من المناهضين لثورة الثامن من آذار1963، التي أتت بحزب البعث إلى السلطة، وسوف تطارده هذه اللحظة مثل كابوس ثقيل.
لا يحتفظ أحمد أبو سعدة بأصول الأفلام التي صوّرها، فقد كان يسلّمها للجيش، أو للتلفزيون الرسمي، بعدما عُيّن مصوراً سينمائياً، أواخر أيام الوحدة، ومن ثم طُردَ من عمله بأمر من رئيس الجمهورية آنذاك نور الدين الأتاسي. فهو أعلن احتجاجه خلال مؤتمر صحافي، على مبررات السلطة لهزيمة حرب حزيران، رافضاً اعتبارها نكسة عابرة. مع انطلاق حركة المقاومة الفلسطينية عام 1968، انضمّ إلى العمل الفدائي في غور الأردن، ثم توجّه إلى جنوب لبنان، فأُصيب بشظية اضطرته إلى البقاء في المستشفى ثمانية أشهر، لكنه اكتشف، كما يقول «سلوكيات غير ثورية»، أدت به إلى الانسحاب من المقاومة، فهاجر إلى السويد. هناك سمع بانطلاق «جبهة التحرير الأريترية»، فشدّ الرحال إلى السودان، ثم تسلّل إلى أسمرة، وأنجز فيلمين عن هذه الثورة، وأسهم في تأسيس «حزب العمل الشيوعي»، كما أصبح مسؤولاً أمنياً للجبهة. هذا ما ساعده على الاختلاط بالحركات الثورية في أفريقيا والعالم، فذهب إلى أنغولا، وغينيا بيساو، والكونغو. هناك التقى باتريس لومومبا، بعدما فشل في لقاء تشي غيفارا، الذي غادر الكونغو بضغط أميركي على موسكو. يقول متحسّراً: «لحقت به إلى بوليفيا (1966) للانضمام إلى حركة المقاومة، لكنني سُجنت، ولم أتمكّن من مقابلته». تختلط التواريخ، والصور، والأمكنة، والخرائط في ذهن هذا المناضل الأممي، فيعيدنا فجأةً إلى الجبهة السورية خلال حرب تشرين (1973)، حيث عمل مراسلاً حربياً، ليتوقف عند لحظة بصرية أخرى، هي دخوله إلى مرصد جبل الشيخ، وتصوير المعركة التي جرت هناك. ثم يرحل بنا إلى أريتريا مرةً أخرى، ليروي حادثة خطف جنديين أميركيين من قاعدة إثيوبية، وطلب فدية لمصلحة «جبهة التحرير الأريترية». بعد مفاوضات طويلة قادها أبو سعدة في فندق «السان جورج» في بيروت، وافق الأميركيون على دفع فدية مقدارها 3 ملايين دولار، حُوّلت إلى عدن، ومن هناك، تسلّمها الثوار الأريتريون.
لقطة لتفجير قطار بريطاني في الأراضي الأريترية، أوصلته إلى الصفحة الأولى في صحيفة «هيرالد تريبيون»، وهذا ما شجعه على الذهاب إلى هانوي، خلال الحرب الأميركية ضد فيتنام، للعمل هناك مصوّراً ميدانياً من جبهة القتال الساخنة. «كنت مفلساً، ولم أجد أمامي سوى أن أبيع صوري من قلب المعركة لوكالات الأنباء العالمية»، يقول. فجأةً يرتحل بذاكرته إلى الصومال ليروي جانباً من الجحيم التي عاشها هناك.
«كنت العربي الوحيد في جبهة تحرير الصومال في حربها ضد إثيوبيا، مقاتلاً ومصوراً. ثم انضممت إلى جبهة تحرير «مورو» في الفيليبين، وعشت فترة قصيرة مع ثوار ظفار، ثم انسحبتُ احتجاجاً على الشعارات الماوية التي كان يؤمن بها الثوار، لتتكشّف لاحقاً حقائق أخرى، أثبتت صحة قناعاتي... أحد الرفاق الماويين أصبح اليوم مسؤولاً كبيراً في سلطنة عُمان، والماركسي الثائر ذبحه رفاقه بعدما سَمُنَ كثيراً».
يرفض أحمد أبو سعدة وصفه بالمغامر، لقناعته اليقينية بالمبادئ الثورية التي كان يؤمن بها، لكنه يعترف ـــــ في المقابل ـــــ بالخيبة لمآل معظم الحركات المسلّحة في العالم، وخصوصاً الثورة الأريترية التي انتهت بعد الاستقلال في أحضان إسرائيل.
محطته الأخيرة كانت في دارفور التي زارها أكثر من مرّة، وقد سجّل وقائعها في كتاب مصوّر بعنوان «دارفور: العاصفة السوداء»، رصد فيه نشأة مشكلة دارفور، وبداية التمرّد في هذا الإقليم، وفوضى الصراع العالمي على هذه المنطقة الغنية بالنفط والمعادن الثمينة، متوقّعاً تقسيم السودان، قبل أن يجري تقسيمه فعلاً، كما يعمل اليوم على إنجاز الجزء الثاني من هذا الكتاب.
خارج اهتماماته بحركات التحرر العالميّة، عاش أبو سعدة كرحّالة، في معظم أنحاء العالم، وسجّل تفاصيل هذه الرحلات في كتاب من جزءين بعنوان «في شوارع العالم». هنا نقع على ذكريات عن الألم البشري في معسكرات اللاجئين في العالم، ومشاهد للمجاعات الأفريقية، والتيه في الصحراء، والنوم في الغابات والحدائق العامة... تسكّع مديد من القاهرة والخرطوم، مروراً بكمبوديا، وأديس أبابا، وكوناكري، وغينيا بيساو، وكينيا، وأوغادين، والفيلبين، وصولاً إلى دمشق التي استقر فيها أخيراً، ليؤسس «المركز العربي للدراسات الأفريقية»، ويقرّر أخيراً الاهتمام بعائلته التي أهملها طويلاً.




5 تواريخ

1940
الولادة في دمشق

1960
عمل مصوّراً سينمائياً في التلفزيون السوري

1971
أنجز فيلمه الأول عن الثورة الأريترية وكان قد التحق بالعمل الفدائي في غور الأردن عام 1969

2008
أسس «المركز العربي للدراسات الأفريقية» في دمشق

2011
يعكف على إنجاز كتاب بعنوان «كنتُ في ظفار»