ليست ضيفة عاديّة، إنّها بيانكا لي. نتساءل إن كان المشرفون على «مهرجان ربيع بيروت» يعرفون ماذا يفعلون. لقد أتوا إلينا بامرأة ستقلب المسرح على رؤوسنا. تجمع بيانكا منذ عقدين، بين الرقص والتجهيز والأوبرا والسينما و... الفيديو كليب. وفي «حديقة المسرّات» (٢٠٠٩)، عملها الذي تقدّمه في بيروت (٥/ ٦)، تقف عند الحدود الواهية بين الجنّة والنار، تخلط الأزمنة والعوالم والتقنيّات. تستوحي ثلاثيّة جيروم بوش الأشهر بالعنوان نفسه، لتضع الميثولوجيا الدينيّة وأسطورة الخلق وجهاً لوجه مع المجتمع المعاصر بمشاغله وآفاته، بتهويماته وملذّاته...


الراقصة والكوريغراف الإسبانيّة، الفرنسيّة الإقامة والإنتاج، تستمدّ وحيها من جذورها العربيّة ـــــ الأندلسيّة، كما تذكّر دائماً. رحلتها بدأت من صفّ الرياضة الايقاعيّة في مدريد، ثم تلقّت تكوينها عند مارتا غراهام في نيويورك. هناك عاصرت ابنة السابعة عشرة تفتّح الـHIP HOP في هارلم، ثم أسّست فرقة «فلامنكو ــ راب» قبل أن تعود إلى القارة العجوز، لتصبح واحدة من وجوه الرقص المعاصر. الخليط الذي لازم مسيرتها: من جهة ميراث الفلامنكو، ومن الأخرى الهيب هوب والإلكترو ــــ دانس، تمخّض عن أعمال مرجعيّة، من «ماكادام ماكادام» (١٩٩٩) إلى أحدث إنتاجاتها Electro Kif و«يا له من سيرك» (٢٠١٠). لقد نقلت الـ Street culture (ثقافة الشارع) إلى المسرح، أو أنزلت الرقص نفسه إلى الشارع في مدريد وروما وبروكسيل وباريس...
زاوجت بيانكا لي بين الكلاسيك والباروك، أبحرت إلى اليونان القديمة في «حلم المينوتور» (١٩٩٨)، ثم عادت لترقص «الأندلس» (٢٠٠٢). اختبرت العلاقة بين الرقص والغناء المعاصر، راصدةً أحوال الحب بين انصهار وتأكّل في «كورازون لوكو» (٢٠٠٧). في برلين، سعت برفقة التشكيليين جورج ولوسي أورتا، إلى الاقتراب من ذلك الحد الفاصل بين السويّة والجنون، فكان «بوردرلاين» (٢٠٠٢). استحضرت «سالومي» (١٩٩٥) و«شهرزاد» (٢٠٠٠)، مانويل دي فالا (١٩٩٧) وتولوز لوتريك (١٩٩٩)، «دون جيوفاني» (٢٠٠٤)... ومواطنها الشاعر القتيل فدريكو غارثيا لوركا الذي استوحت «شاعر في نيويورك» من زيارته الأميركيّة آخر العشرينيات (٢٠٠٧)، لتعطي أحد أجمل أعمالها، بالاشتراك مع مغنية الفلامنكو كارمن ليناريس، وراقص الفلامنكو أندريس مارين.
وها هي السيدة الأندلسيّة تزورنا في برج بابل الأزمنة العربيّة الحديثة، لتقدّم أكثر عروضها غواية وإدهاشاً. «حديقة المسرّات» حوار مع جيروم بوش (1453 ـــــ 1516)، الفنان الهولندي الذي يقف عند المفترق بين القرون الوسطى والنهضة، مستبقاً أسئلة الحداثة وإشكاليّاتها، حتّى إن سرياليي القرن العشرين عدّوه معلّمهم. منذ الطفولة وقفت بيانكا مشدوهة أمام هذه الثلاثيّة (الجنّة، حديقة المسرّات، الجحيم) في متحف الـ«برادو». تقول إنّها اللوحة التي أخذتها إلى الرقص. أمام ازدحام المشاهد والأحداث والشخصيات، وهذا الحشد من الأجساد العارية والاعضاء المتلاحمة، والثمار العملاقة، والحيوانات الأسطوريّة، وقفت منبهرة، عاجزة عن الإحاطة بالمشهد في كليّته. فكلّما أبحرت عينها في اللوحة (٢٢٠ x ١٩٥ سنتم) اكتشفت تفاصيل جديدة تراها للمرّة الأولى. لطالما شعرت بأنّها أمام دراسة تمهيديّة لمشروع كوريغرافي، فإذا بحركات راقصيها تصبح امتداداً لذلك «التخطيط الأوّلي» الذي أنجزه Jérôme Bosch في زمن غابر.
الفنان الذي يقال إنّه انتمى لجماعة مهرطقة هي «إخوان الفكر الحرّ»، يطرح سؤال مسؤوليّة البشر، مشرّعاً أبواب الحداثة الفكريّة، معلناً بأسلوبه الغوطي ورمزيّة لغته قطيعة مع ارث القرون الوسطى. وقد رأى كثيرون في لوحته أصداء لنظريات إيراسموس الهولندي الذي جاء يناقض فكرة لوثر عن الخطيئة والتوبة، مدافعاً عن العقل وحريّة المبادرة لدى الإنسان. بين آدم وحوّاء في الجنّة إلى اليسار، ومشهد الجحيم إلى اليمين، يحتل الجزء الأوسط، المركزي، ذلك الفيض البشري العارم في ديكور من الوفرة والمتعة وفوضى الحواس.
رأت بيانكا لي في هذه الرؤيا الحلميّة، المغمّسة بالشاعريّة والغرائبيّة، رداً ممكناً على عبوس العالم، وما يعتري معاصريها من قلق ومرارة. بنت عملها على حركة ذهاب وإياب متواصلين بين عالم بوش الغرائبي، والواقع المباشر في مطعم يستسلم رواده لطقوسهم الاستهلاكيّة المعاصرة. صاغت احتفالاً هاذياً ـــــ لعازف بيانو و٨ راقصات وراقصين هي بينهم ـــــ ملؤه الإسراف والخفّة والضحك. استعراض ميوزيكهول أحياناً، يتّخذ شكل أورجي ميتافيزيقيّة، أو طقس متعوي روحاني بالألوان الفاقعة، والإضاءات المتوهّجة، والملابس الـPOP، على موسيقى تاوو غوتيريس الذي يرافقها منذ سنوات. وطعّمت استعراضها الهاذي بعمل فيديو لإيف رامبوز التي تستعمل تفاصيل من لوحة بوش في فيلم تحريك يعطي للعمل بُعده الرابع، ويشكّل جزءاً عضوياً من الرؤيا المشهديّة والكوريغرافيّة.
في «حديقة» بيانكا لي، امبراطوريّة الحواس تتقاطع مع عالم الغيب. تتعانق الفضيلة والخطيئة، الحشمة والعري، المجون والتسامي، في فضاء واحد متعدد المستويات. هل تلبّي إمكانات «مسرح المدينة» المتطلبات التقنيّة للعمل الذي احتضنه «مسرح الشانزليزيه» الباريسي قبل عامين؟ بعد تيريزا دو كيرسماكر وساشا فالتز وووليلم فورسايت وأكرم خان... تأتي بيانكا لي لتكرّس بيروت محطّة عربيّة للرقص المعاصر.




«مهرجان ربيع بيروت»: ابتداءً من اليوم وحتى 8 حزيران (يونيو) الحالي.
www.beirutspringfestival.org
«حديقة المسرات»: 9:00 مساء 5 حزيران (يونيو) ــ «مسرح المدينة» (الحمراء).
www.blancali.com


http://www.lyca.ch/~pfrache//4c-d/jardindesdelices-bosch.jpg